ويزداد العجب من ذكر الدكتور للإجماع أنه قد نُقل قديما الإجماع على وجوب تغيير المنكر باليد لآحاد الرعية، ذكره ابن عبد البر والجويني إمام الحرمين فكيف يأتي بعد قرون وينقل إجماعا مخالفا للإجماع الأول؟.
قال الإمام النووي (المنهاج شرح صحيح مسلم) (ج2 ص23) :
قَالَ الْعُلَمَاءُ وَلَا يَخْتَصُّ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ بِأَصْحَابِ الْوِلَايَاتِ بَلْ ذَلِكَ جَائِزٌ لِآحَادِ الْمُسْلِمِينَ قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ إِجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّ غَيْرَ الْوُلَاةِ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ وَالْعَصْرِ الَّذِي يَلِيهِ كَانُوا يَامُرُونَ الْوُلَاةَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ مَعَ تَقْرِيرِ الْمُسْلِمِينَ إِيَّاهُمْ وَتَرْكِ تَوْبِيخِهِمْ عَلَى التَّشَاغُلِ بِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنِ الْمُنْكَرِ مِنْ غَيْرِ وِلَايَة. هـ
قال القرطبي (جامع أحكام القرآن) (ج4 ص48) :
أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ فِيمَا ذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّ الْمُنْكَرَ وَاجِبٌ تَغْيِيرُهُ عَلَى كُلِّ مَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ، وَإِنَّهُ إِذَا لَمْ يَلْحَقْهُ بِتَغْيِيرِهِ إِلَّا اللَّوْمُ الَّذِي لَا يَتَعَدَّى إِلَى الْأَذَى فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَجِبُ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ تَغْيِيرِهِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لم يقدر فيقلبه لَيْسَ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ. وَإِذَا أَنْكَرَ بِقَلْبِهِ فَقَدْ أَدَّى مَا عَلَيْهِ إِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ سِوَى ذَلِكَ. هـ
فمع إجماع الدكتور يكون عندنا إجماع ثان في المسألة مناقض تماما لإجماع الدكتور، فالأول ذكر الإجماع على أن تغيير المنكر باليد ليس لآحاد الرعية بل هو للسلطان والأب والولي، و الثاني (ابن عبد البر والجويني) ينقلان الإجماع على أن تغيير المنكر باليد واجب على كل قادر عليه بلا استثناء.
كيف يحل هذا الإشكال؟
إما أن يكون أحدهما صحيح أو الإثنان غير صحيحان، ولا شك أن الذي سيكون صحيح_في حالة ثبوت صحته وعدم وجود المخالف_ هو الذي سبق بنقل الإجماع وهو هنا ابن عبد البر والجويني، فإجماعهم قبل عشرة قرون أو أكثر من إجماع الدكتور، وبالتالي يقينا يكون إجماعه خطأ وغير صحيح. وعلى اعتبار أن إجماعهم (إجماع ابن البر والجويني) ليس بصحيح فمما لا ريب فيه أن هناك علماء في ذلك الوقت أو قبله قد قالوا بمضمون الإجماع، وهذا يفسد إجماع الدكتور.
فالآن يا دكتور حسين أصبحت مطالب بأمرين الأول ذكر سلفك الذي نقلت عنه الإجماع، والثاني: نقض إجماع ابن البر والجويني بقول عالم مجتهد قبلهما يخالف مضمون ما نقلاه من إجماع، فإن لم تجد فاعلم أن مثل هذا الإجماع حجة خاصة وأنه مستند على أدلة شرعية عامة وخاصة، فيبطل قولك أن تغيير المنكر خاص بالسلطان والأب والولي.
وإذا أثبت الخلاف في المسألة فحينها نأتي للأدلة الشرعية الأخرى