والتي باختصار نذكر لك منها الحديث الذي ذكرته أنت وهو حديث أبي سعيد قال سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ» .رواه مسلم وابن ماجة وأحمد.
قلت الحديث جاء بلفظ"من"وهي تفيد العموم كما بين علماء الأصول،
قال ابن العربي (المحصول) (ص74) :
وَصِيغَة الْعُمُوم على ضَرْبَيْنِ: أَحدهمَا ادوات الشَّرْط وَهِي من وَمَتى وَمَا فَإِذا ربط بهَا الْعَرَبِيّ حكما اقْتضى الِاسْتِغْرَاق. هـ
قال السعدي في منظومة القواعد الفقهية:
كذاك"مَنْ"و"ما"تُفيدان مَعَا ... كل العموم يا أخي فاسمعا
قال الإمام العلائي (نقلا عن كتاب مجموعة الفوائد البهية لصالح الأسمري) :
اتفق الأصوليون الذين يقولون بالعموم على أن"من"إذا أتت بمعنى الشرطية والجزاء؛ فإنها تفيد العموم، كقوله سبحانه: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره} ونحوها. هـ
إذن فالحديث يشمل جميع أفراد الأمة وآحادها وليس خاصا بالسلطان ومن زعم ذلك لا بد أن يأتي بدليل وإلا فإن تخصيصه مردود.
وقوله صلى الله عليه وسلم: (فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ) فيه أن المخاطب بتغيير المنكر باليد هو المخاطب باللسان وبالقلب أيضا فهو متعلق بشخص واحد، فيبطل قولهم أن باليد خاص بالسلطان، إلا أن يقولوا وكذلك باللسان والقلب خاص به، وهذا لا يقوله أحد؟ فلماذا تخصيص تغيير المنكر باليد بالسلطان دون غيره؟ فلذلك كان هذا الشخص هو المسلم عموما.
قال الشيخ عبد الآخر الغنيمي (حكم تغيير المنكر باليد لآحاد الرعية) :
قوله صلى الله عليه وسلم (فإن لم يستطع) وذلك يقتضي أن المخاطب بالأمر الأول هو عينه المخاطب بالأمر الثاني وهو عينه المخاطب بالأمر الثالث؛ فهو شخص واحد إن لم يستطع أن يُغير بيده فله أن ينتقل إلى البدل وهو التغيير باللسان فإن لم يستطع فله الانتقال إلى البدل وهو التغيير بالقلب.
وشبيه بهذا المعنى ما جاء في حديث الرجل الذي واقع امرأته في نهار رمضان حيث قال له النبي صلى الله عليه وسلم: (هل تجد رقبة تعتقها؟ قال: لا، قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا، قال: فهل تجد إطعام ستين مسكينًا؟ قال: لا ... ) الحديث.