الصفحة 18 من 34

وفي النتيجة عندما يزرع المسلم في قلبه خوفًا يقينيًا من النار وينزع منه خوفًا موهومًا بسبب وسوسة الشيطان؛ يكون قد ولّد الأمن الذي يطرد القلق.

وقد وصل إبراهيم عليه السلام إلى النتيجة السابقة عينها عندما حاور قومه في مشكلتي التوحيد والخوف، فحاورهم في مشكلة التوحيد أوّلًا، وأثبت لهم خطأ عبادتهم الكواكب ومن ضمنها القمر والشمس، لأنها تأفل في حين أنّ الرب يجب أن يكون غير آفل، قال سبحانه وتعالى: {فلمّا جَنَّ عليه الليلُ رأى كوكبًا قال هذا ربي فلمّا أَفَلَ قال لا أُحبُّ الآفلين. فلمّا رأى القمرَ بازِغًا قال هذا ربي فلمّا أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكوننّ من القومِ الضالينَ * فلمّا رأى الشمسَ بازِغةً قال هذا ربي هذا أكبرُ فلمّا أَفَلَتْ قال يا قومِ إني برئٌ مما تُشركونَ * إني وجّهت وجهِيَ للذي فطرَ السمواتِ والأرضَ حنيفًا وما أنا مِنَ المشركينَ} (الأنعام، 76 - 79) .

بعد أن انتهى إبراهيم عليه السلام من إقامة الحجة على قومه بشأن عبادتهم الكواكب، وإعلان تبرئه من ذلك الشرك، وتوجهه إلى عبادة الله الخالق للسموات والأرض شرع في إقامة الحجة عليهم ومحاورتهم بخصوص الخوف، وهذا يعني أهمية موضوع الخوف، فأعلن عدم خوفه من آلهتهم المدعاة، ثم تساءل مستنكرًا أن يخاف آلهتهم المدعاة، مستنكرًا في الوقت نفسه أنهم لا يخافون الله مع اقترافهم ذنب الشرك العظيم.

ثم تساءل في نهاية الاستنكار عن الفريق الأحق بالأمن أهو فريق الموحدين أم فريق المشركين؟ قال سبحانه وتعالى: {وحاجَّهُ قومُهُ قال أَتُحاجُّونِّي في اللهِ وقد هدانِ ولا أخافً ما تًشركونَ بهِ إلاّ أن يشاءَ ربّي شيئًا وَسِعَ ربّي كلَّ شيءٍ علمًا أفلا تتذكَّرونَ * وكيف أخافُ ما أَشْرَكْتُم ولا تَخافونَ أنَّكُم أَشْرَكْتُم باللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا فأَيُّ الفَريقَيْنِ أَحَقُّ بالأَمْنِ إن كنتم تعلمونَ} (الأنعام، 80 - 81) .

ثم جاء الجواب على تساؤل إبراهيم عليه السلام عن الفريق الأحق بالأمن في الآية التالية، قال سبحانه وتعالى: {الذين آمنوا ولَمْ يَلْبِسوا إيمانَهُم بظُلْمٍ أولئك لهم الأمْنُ وهم مُهْتَدونَ} (الأنعام، 82) .

لقد ذكرت كتب التفاسير أنه لما نزلت الآية السابقة شق ذلك على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: (يا رسول الله أينا لم يظلم نفسه؟) ، قال: (إنه ليس الذي تعنون، ألم تسمعوا ما قاله العبد الصالح: {يا بني لا تشرك بالله إنّ الشرك لظلم عظيم} ) ، أي هو الشرك. [رواه أحمد] .

ويصبح معنى الآية؛ الجواب أنّ الأمن مختص ومقتصر على الذين يؤمنون بالله ولا يخلطون إيمانهم بشرك وذلك بسبب تقديم الجار والمجرور"لهم"وهو متعلق بالخبر المحذوف على المبتدأ"الأمن".

وهذه المعاني التي انتهى إليها حوار إبراهيم عليه السلام مع قومه؛ تلتقي مع المعاني التي استخلصناها من مواجهة موسى عليه السلام مع فرعون، وهي أنه للتغلب على الخوف والقلق، وللحصول على الأمن لابد من أمرين؛

-إيمان بالله.

-والتخلص من كل أنواع الشرك.

وهذا يعني أن يملأ المسلم قلبه بتعظيم الله والخوف من ناره ورجاء جنته واستشعار معيته سبحانه وتعالى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت