بعض الأمراض التي ساهمت في إضعاف الأمة: مثل تفشي الأهواء والبدع، ووجود التفسير الباطني لبعض أمور الدين، وانتشار التصوف الغالي الذي ألهى قطاعًا من الأمة بأوهام الاتحاد بالله تعالى واستنزف طاقاتهم النفسية، وظهور ضعف الاهتمام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي أدى إلى تفشي بعض مظاهر المنكر في المجتمع الإسلامي إلخ ... لذلك كان الحل لهذه الأمراض يجب أن يأتي من المرجعية الإسلامية التي ترتكز على القرآن الكريم والسنة المشرفة، وهذا الذي قام به علماء الأمة وصالحوها على مدار التاريخ الإسلامي، فكانوا يقللون من حجم هذه الأمراض في بعض الأحيان، ويستأصلونها في أحيان أخرى، ولكن المشكلة التي تولدت في العصر الحديث عندما حاولت بعض الحركات الإصلاحية بأن تأتي بالعلاج من خارج مرجعية الأمة: القرآن الكريم والسنة المشرفة، ومن خارج نسقها الحضاري، وسألقي الضوء على ثلاث محاولات في هذا المجال: الأولى في أواخر عهد الخلافة العثمانية، والثانية في عهد محمد علي باشا في مصر، والثالثة بعد الحرب العالمية الأولى على يد الفكر القومي العربي.
فقد حاولت الخلافة في أواخر عهدها حل مشاكلها ومعالجة أمراضها من خارج مرجعية الأمة القرآن الكريم والسنة المشرفة، وكان محمود الثاني (1808م-1839م) أول من بدأ ذلك فقضى على الجيش الانكشاري عام 1826م وأصدر خط كلخانة عام 1839م الذي يعتبر بمثابة إعلان حقوق الإنسان، وأصدرت الخلافة العثمانية بعد ذلك الخط الهمايوني عام 1856م الذي غيّر بعض الأسس الاقتصادية وغيّر وضع الأقليات المسيحية، ثم أصدرت الخلافة دستورًا عام 1876م على غرار الدساتير الغربية، وأجرت تحديثًا كاملًا لأنظمة التعليم والكتب المدرسية عام 1846م ناقلة المدرسة الفرنسية، وأتبعت ذلك بإنشاء وزارة المعارف العمومية التي رسّخت ازدواجية التعليم الديني والرسمي عام 1847م، وأنشأت محاكم مختلطة في عام 1847م، وأنشأت قانونًا تجاريًا في عام 1850م على غرار القانون التجاري الفرنسي إلخ ... ثم ماذا كانت نتيجة محاولة الإصلاح من خارج النسق الحضاري الإسلامي ومن خارج مرجعية الأمة المتمثلة بالقرآن الكريم والسنة المشرفة؟ كانت النتيجة سقوط الخلافة العثمانية وعدم نهوض الأمة.
وقد حاول محمد علي باشا تحديث مصر في مطلع القرن التاسع عشر، فاستعان بأتباع سان سيمون المطرودين من استانبول إلى مصر لتنظيم وزارة التعليم العام، وأشرف الكاهن دوم رافائيل على مطبعة بولاق عام 1821م، وقصر تعيين الموظفين في الدولة على المتخرجين من المدارس الرسمية دون المدارس الدينية واستكمل الإجهاز على المدارس الدينية عندما صادر الأوقاف المصرية متعللًا بأنه سينفق من أموال الدولة على هذه الأوقاف؛ وكذلك أنشأ المحاكم المختلطة، وجاء بقوانين مترجمة عن القوانين الفرنسية والسويسرية