يوضح ذلك الحديث الذي رواه البخاري والذي قالت عائشة رضي الله عنها فيه: (رحم الله نساء المهاجرات الأُوَل، لما نزل: {وليضربن بخمرهن على جيوبهن} ، شققن أزرهنّ فاختمرن بها) .
إن استجابة الصحابيات لأمر الله بالاختمار والحجاب كانت سريعة وشاملة، فقد شقّت الصحابيات بعض ثيابهن من أجل تحقيق الأمر الإلهي في الاختمار وستر الجيوب، ولم ينتظرن حتى يُهيّئن للأمر عدته الخاصة، ويدل هذا على اغتناء الصحابيات النفسي.
ويمكن أن نستشف معالم هذا الاغتناء في الأمور التالية:
1)تعظيم الصحابيات لأمر الله بالحجاب، والخضوع لذلك الأمر بشق الثياب والاختمار بها.
2)رجاء الصحابيات الجنة بتنفيذ أمر الله بالحجاب، وخوف النار عند عدم الالتزام به.
3)ثقة الصحابيات بالمنهج الإسلامي ويقينهن بأن الحجاب خير لهن ولأمتهن.
والآن على ضوء الوقائع الثلاث السابقة، التي تجلّت فيها استجابة الصحابة العميقة والشاملة لأوامر الشريعة، والتي دلّت على اغتنائهم النفسي الذي أدى إلى نجاح الرسول صلى الله عليه وسلم في بناء الأمة وفي تطبيق الشريعة في المدينة، والسؤال الذي يمكن أن يرد في هذا المقام:
من أين جاء هذا الاغتناء النفسي؟ وما الذي ولّده؟
ولدته العقيدة التي طرحها القرآن الكريم في مكة والتي تقوم على الإيمان بالله واليوم الآخر.
فقد بيّن القرآن الكريم والحديث الشريف أن الله تعالى خلق السماوات والأرض في ستة أيام، وأنه خلق آدم من تراب، وأنه خلق الملائكة من نور، وأنه يعلم السرّ وأخفى، وأنه لا تأخذه سنة ولا نوم، وأنه يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة، وأن جميع المخلوقات تخضع لأمره تعالى، وأنه قيّوم عليها إلخ ... عندما يؤمن المسلم بالله تعالى بالصورة التي طرحها القرآن الكريم وبيّنها الرسول صلى الله عليه وسلم فلا شك أنه سيعظّم الله تعالى، ويتجه إليه بالخضوع وحده تعالى.
وعندما يؤمن المسلم بأن الله تعالى خلق الأرض ذلولًا من أجل الناس، وأنه سخّر لهم