الصفحة 21 من 217

بسم الله الرحمن الرحيم

تفريغ

للشيخ/ حمد الحميدي (رحمه الله)

مجموعة البُشْرَيات

قِسْمُ التَّفْرِيغِ وَالنَّشْرِ

أمة القرآن: سمعنا القرآن وقرأنا كتاب الله، وقد بيّن ربنا -جل وعلا- بأنّ هذا القرآن هدى، ولكن هذا القرآن هدى لمن؟

قال -جل وعلا-: {الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} [1] ؛ لأهل التقوى والفلاح، لمن يلتمس مراضي الرب -جلّ وعلا-، ولذا أنزل الله -عز وجلّ- خير كتاب بواسطة خير ملك على خير رسول على خير أمّة على خير لغة، لماذا؟

لكي يعملوا بالقرآن، {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [2] ، وقال -جلّ وعلا-: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [3] .

أخرج الإمام مسلم في صحيحه من حديث طارق بن أسلم -رضي الله عنه- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (والقرآن حُجَّة لك أو عليك) .

كم من قارئٍ للقرآن وهو في الدرك الأسفل من النار!؛ في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (وَمَثَلُ المُنَافِقِ الَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ مَثَلُ الرَّيْحَانَةِ، رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ) .

وكم من قارئ للقرآن والقرآن يلعنُه، لم يقُم بالقرآن، ولذا لعن اللهُ الظالمين ولعن الكاذبين ولعن أمورًا عظيمة، فتدبَّروا القرآن يا عباد الله.

عباد الله تدبروه تسعدوا في الدنيا والآخرة، كم من قارئ للقرآن وهو أول من تُسعَّر به النار يوم القيامة؛ أخرج الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (أوّل من تسعّرُ فيهم النار ثلاثة .. ) ثم ذكر منهم: (رجل قرأ القرآن وعلمه ثم عرّفه الله نعمه فعرفها) ، فحينما يُعرَّفُ نعم الله يقول: (يا رب قرأت فيك القرآن وتعلمته وعلَّمته) ثم يقال: (كذبت قرأت القرآن ليقال قارئ وقد قيل، خذوه على وجهه إلى النار) .

فالمراد العمل بالقرآن يا أمّة القرآن، كم من عالم بالقرآن وقارئ للقرآن ولكنه -ولا حول ولا قوة إلا بالله- حينما لا يعمل بالقرآن يكون وبالًا عليه.

ولذا ذكر الله -عز وجلّ- عن أحبار بني إسرائيل عندما لم يعملوا بكتبهم، قال الله -عز وجل-: {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا} [4] .

ولذا بين النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا الأمر بيانًا كافيًا بأنّك لابدّ أن تعمل بهذا القرآن، ولذا يُغبط صاحب القرآن الذي يقوم به آناء الليل وأطراف النهار، كما جاء ذلك في الصحيحين عن النبي المختار - صلى الله عليه وسلم -.

وعندما ذكر الله -عز وجل- قصصًا عن بني إسرائيل وغيرهم، حينما ذكر الله قصة: {الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا} ، ولكنه لم يعمل فانظر ماذا حدث له: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ} [5] .

أخلد إلى الأرض؛ إلى المنصب، إلى الجاه، إلى الملك، إلى الدينار والدرهم، ثم حصل له ما حصل.

ولذا جاء في الصحيحين من حديث أسامة بن زيد -رضي الله عنه- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار، فتندلق أقتابه في النار، فيدور كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع أهل النار عليه فيقولون: أي فلان ما شأنك؟ أليس كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ قال: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه) ، عياذًا بالله من هذا الصنف.

قرأنا القرآن وسمعناه؛ انظروا واقعنا اليوم مع القرآن؛ قرأنا قول الله -عز وجل- في محكم التنزيل وسمعنا كلام ربّ العالمين حينما قال -جلّ وعلا-: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [6] ؛ هل حقّقنا الكفر بالطاغوت والإيمان بالله يا عباد الله الذي هو دعوة الرسل من أولهم إلى آخرهم؟

{وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [7] ، أخرج الإمام مسلم في صحيحه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من قال لا إله إلا الله وكفر بما يُعبد من دون الله حرم دمه وماله وحسابه على الله -عز وجل-) .

أين الكفر بالطاغوت يا عباد الله؟

كم منّا اليوم مَن يوالي الطاغوت ومَن يوالي الكفرة الفجرة وهو يعلم أن من يوالي الكفار فهو كافر مثلهم، قال الله -عز وجل- في محكم التنزيل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} [8] .

الله حكم عليه من فوق سبع سموات بقرآن يُتلى إلى يوم القيامة، {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} ، ولذا قال حذيفة -رضي الله عنه- فيما أخرجه عبد بن حميد، وقال ذلك عبد الله بن عتبة فيما أخرجه ابن أبي حاتم:"ليتَّقي أحدكم أن يكون يهوديًا أو نصرانيًا وهو لا يشعر"، عند هذه الآية.

ولذا قال الإمام حمد بن عتيق -رحمه الله-:"من تولى اليهود فهو يهوديّ ومن تولى النصارى صار نصرانيًا"، ومع ذلك وكأن الأمر أمر سهل، ولا حول ولا قوة إلا بالله!.

إذًا من يتولى الكافرين وهو يدّعي بأنه من أهل الإسلام فهو رجل قد انغمس بالنفاق، ولذا ذكره ربنا -جل وعلا- برسالة فيها توبيخ وذلة وخزي في الدنيا والآخر، {بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} ؛ من هم؟ ما وصفهم؟ ما نعتهم؟ {بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا * الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا} [9]

فهل الكافر يملك العزة لنفسه فضلًا عن غيره؟ لا والله، بل الكافر له الذلة والصغار والخفّة والخزي في الدنيا والآخرة، {أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا} ؛ العزة لمن؟ للعزيز، والقوة لمن؟ للقوي -عزّ وجلّ -.

ولذا كثيرًا ما يقرن بين القوة والعزة ربنا -جلّ وعلا-، كما بيَّن ربنا -جل وعلا- في محكم التنزيل: {إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ * كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} [10] .

ولذا يا عباد الله؛ وصف الله -عز وجل- هذا الصنف الذي يتولى الكفار، قال -جل وعلا-: {فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ} ؛ يذهب المُلك والمنصب والجاه، قال -جلّ وعلا-: {فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ} [11] .

هذا أمر، وهذه مسألة عظيمة وهي الولاء والبراء يا عباد الله، حتى لو كان أقرب الناس إليك فليس عندك إيمان بالله ولا باليوم الآخر حتى تُعادي أقرب الناس إليك إذا كان مُحادًا لله ورسوله: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ} [12] .

وقال -جل وعلا-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [13] .

وهذه ملة إبراهيم -عليه السلام- الذي أمر الله -عز وجل- نبيه - صلى الله عليه وسلم - باتباعها، ومن أعرض عنها فقد سفه نفسه؛ {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} [14] .

ولذا ننظر إلى شيء من صور هذا الأمر عند صحابة النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ جاء في صحيح الإمام مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حينما استشار أبا بكر -رضي الله عنه- في الأسرى؛ قال أبو بكر: (يؤخذ منهم الفدى) ، قال: فاستشار عمر -رضي الله عنه-؛ قال عمر: (يا رسول الله أرى أن تُمكِّن حمزة من أخيه العباس، وتمكن عليًا من أخيه عقيل، وتمكنني من فلان -قريب لعمر-، ثم نجمع رؤسهم لكي يعلموا أنّه ليس في ديننا هوادة) .

ليس في ديننا هوادة، ليس في ديننا تنازل للكفار لأن الكافر شر الخلق والخليفة، ليس له موطن في الأرض ولا كرامة، ومنْ يُهِن الله فما له من مُكرِم، إذًا لماذا نعزّهم؟ لماذا نرفعهم؟ لماذا نقربهم؟ وقد أمرنا ربنا -جل وعلا- بإقصائهم وعداوتهم وببغضائهم.

ولذا أعظم وصفٍ وَصَفَ به ربُّنا تعالى نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه؛ {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} [15] .

ولذا قال الله -جل وعلا-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} [16] .

وقال الله -جلّ وعلا-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [17] .

أخرج الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا تبدأوا اليهود والنصارى بالسلام واضطروهم إلى أضيق الطرق) .

هذا كتاب الله وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - بين أيدينا، فلماذا يا عباد الله نخالف ذلك ونحن نقرأ القرآن ونسمعه؟

أيضًا يا عباد الله ننظر إلى الأمر الذي أمر الله -عز وجل- بطاعته وطاعة رسوله - صلى الله عليه وسلم -؛ ومع ذلك كثير من الناس اليوم يعظّم طاعة المخلوق ونظامه وأمره على طاعة الله ورسوله.

قال الله -عز وجل- في محكم التنزيل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ * إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ} [18] .

ولذا قال -جلّ وعلا- مبينًا مصير من قدم طاعة المخلوق على طاعة الله ورسوله: {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا * وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا * رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا} [19] .

وعيدٌ عظيم وتهديد شديد من رب العالمين، ولكن أين من يعقل ويتدبر القرآن؟

فتدبّر القرآن يا عبد الله لكي تفلح وتسعد في الدنيا والآخرة.

أيضًا يا عباد الله وقفة أخرى مع القرآن؛ القرآن يأمرنا بل كَتَب الله -عز وجل- علينا هذا القتال وهو قتال الكفار، {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ} ؛ مَن كتبه؟ فلان من الناس؟ لا بل كتبه رب العالمين، لأنه لا عزة للمؤمن ولا كرامة للمؤمن ولا بقاء للإسلام ولا بقاء للشريعة المحمّدية إلا برفع راية الجهاد وقتال الكفار، وإذا تعطَّلت الحدود وأُزيل شرع الله واستُهين بالقرآن، ويسبّ الله ويسب رسوله بسبب ماذا؟

بسبب عدم رفع راية الجهاد، والله لو رُفعت راية الجهاد لبقي الدين عزيزًا ونحن أعزاء، وديننا ولله الحمد عزيز ولكن نحن الذي أصابتنا الذلّة حينما ركنّا إلى الدنيا وتركنا قتال الكفار.

وربما يتصوّر العبد بأنه ليس عنده عدة وعتاد، فربك -جل وعلا- أمرك بما تستطيع، بأي شيء تستطيعه به قتال الكفار فقاتل به، قال -جلّ وعلا-: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} ، أيًا كانت تلك القوة ولو كانت مجرّد الإيمان، بقوة الإيمان تنتصر أنت على الكفّار، ذكر ذلك رب العالمين حينما ذكر سورة الأحزاب وما وقع للنبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه.

محمد - صلى الله عليه وسلم - ومن معه في الخندق، لا يستطيع أحدهم من شدة الخوف أن يقضي حاجته خارج الخندق، ثم جاء نصر الله حينما قال -جل وعلا-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا} [20] ، جاء نصر الله بقوة الإيمان والثبات.

أيضًا حتى لو لم تملك من القوة إلا الحصى فإنك تنتصر على الكفار، كيف ذلك؟ جاء ذلك عن النبي المختار - صلى الله عليه وسلم - في بدر ماذا فعل - صلى الله عليه وسلم -؟

أخذ شيئًا من الحصى ثم رمى وجوه الكفار وقال: (شاهت الوجوه) ، ثم ولَّوا مدبرين بحصى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

وأيضًا بالعصا لوحدها تنتصر أيها المسلم، وهذا موسى -عليه السلام- نصره الله بالعصا؛ {قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى} [21] فنصره الله بالعصا.

قد يقول قائل هؤلاء أنبياء ورسل، نقول الله تعالى تكفّل بنصر الرسل والمؤمنين، {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ} [22] .

كلام ربنا ألا نؤمن به؟!

قد تكفّل بنصرنا ولكن لمن؟ {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [23] .

الله أكبر يا عباد الله! مهما هدّد الكافر بقوته فإن القوة لله جميعًا، والأمر أمره، والخلق خلق، والملك ملكه، يدبر الأمر كيف شاء، {لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ} [24] .

إذا كان الأمر لله من قبل ومن بعد فلماذا نغتر بقوة الكفار وقد بيَّن -جل وعلا- بأنهم ليسوا شيئًا؟

اقرأ وتدبّر كلام ربّك: {الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا} [25] .

ولذا قال -جلّ وعلا-: {وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ} [26] .

إذا كان الأمر هكذا؛ فلماذا نُرعَب من عدونا؟

أين الصدق في اللجوء إلى الله والتوكل عليه؟

كم هدَّد المهدِّدون للقضاء على الإسلام؟ فرعون زعم بأنه رب، وحينما زعم أنه رب أمر بقتل أبناء رجال بني إسرائيل واستحياء نسائهم، تصوّر بأنّه صار الأمر إليه، ما علم هذا الفرعون أن الذي يُعزّ الله تعالى به الدين ويقضي على فرعون وملكه؛ هو من يعيش في بيت فرعون.

من يعيش في بيت فرعون يُخرجه الله ليقضي على فرعون ومُلكه والكفر كله، هل تصوَّروا بأن أحدًا سيأتي إلى بيوتهم ويُفسد عليهم بيوتهم؟ لا والله، بل قالوا: قرة عين لنا، ما علموا أنه عدو وحزن، ثم أخرجه الله من بيت فرعون.

وهكذا يُهدّد المهدّدون كما يهدّد (بوش) وغيره ومجلس (الكونجرس) وغيره، لكن يهدّدون من؟

يهدّدون أسامة بن لادن والملا عمر؛"سنقضي عليهم خلال 46 ساعة"، يا سبحان الله! هل الأمور بأيديكم؟ والله لا ترفعوا عن أنفسكم ضرًا ولا تجلبوا لأنفسكم نفعًا؛ فكيف بغيركم؟

ولذا مجرد تهديد وكلام من أسامة خلال دقيقة؛ من أكبر دول العالم قوة وعتادًا تستنفر جيشها وقوتها، مجرّد كلام، أين قوتك يا بوش ومن معك والعدة التي معك؟ إنها لا تساوي شيئًا عند قوة الله.

(1) سورة البقرة، الآية: 1 - 2.

(2) سورة محمد، الآية: 24.

(3) سورة النساء، الآية: 82.

(4) سورة الجمعة، الآية: 5.

(5) سورة الأعراف، الآية: 175

(6) سورة البقرة، الآية: 256.

(7) سورة النحل، الآية: 36.

(8) سورة المائدة، الآية: 51.

(9) سورة النساء، الآيات: 138 - 139.

(10) سورة المجادلة، الآيات: 20 - 21.

(11) سورة المائدة، الآية: 52.

(12) سورة المجادلة، الآية: 22.

(13) سورة التوبة، الآية: 23.

(14) سورة الممتحنة، الآية: 4.

(15) سورة الفتح، الآية: 29.

(16) سورة التوبة، الآية: 123.

(17) سورة المائدة، الآية: 54.

(18) سورة الأنفال، الآيات: 20 - 23.

(19) سورة الأحزاب، الآيات: 66 - 68.

(20) سورة الأحزاب، الآية: 9.

(21) سورة طه، الآية: 68.

(22) سورة غافر، الآية: 51.

(23) سورة الحج، الآية: 40.

(24) سورة الروم، الآية: 4.

(25) سورة النساء، الآية: 76.

(26) سورة التوبة، الآية: 2.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت