فهرس الكتاب

الصفحة 170 من 391

وليس كذلك الحالُ في قولهِ تعالى: ( يُخَادِعُونَ الله وَهُوَ خَادِعهُمْ ) . ( وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ ) . لأن الأوَّلَ من الكلامَيْنِ فيهما كالثاني في أنه خَبَرٌ مِنَ الله تعالى ولَيْسَ بحكايةٍ . وهذا هُوَ العِّلةُ في قولِه تعالى: ( وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قالُوا إنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُون . ألا إِنَّهُمْ هُمُ المُفْسِدُونَ ولكِنْ لا يَشْعُرُونَ ) . إنما جاء ( إنَّهم هُمُ المُفْسِدُون ) مُستأنفًا مُفتتحًا بأَلا لأنَّه خبرٌ من الله تعالى بأنهم كذلك والذي قبله من قوله ( إنما نحن مصلحون ) حكاية عنهم فلو عطف لَلَزِم عليه مثلُ الذي قدَّمتُ ذكرَه منَ الدخولِ في الحكايةِ ولصارَ خبرًا مِنَ اليهودِ ووصفًا مِنْهم لأنفسِهم بأنَّهم مُفْسِدون . ولصار كأنه قِيلَ: قالوا إنما نحنُ مُصْلِحون وقالوا إنَّهم هم المفسِدون . وذلك ما لا يُشَكُّ في فسادِه . وكذلك قولهُ تعالى: ( وإِذا قيلَ لهم آمِنوا كما آمَنَ النَّاسُ قالوا أنؤمِنُ كِما آمَنَ السُّفهاءُ أَلا إنَّهُمْ هُمُ السُّفهاءُ ولكنْ لا يَعْلَمون ) . ولَو عُطِفَ ( إنهُم هُم السفهاءُ ) على ما قَبْلَه لكان يَكونُ قد أُدْخِلَ في الحكايةِ ولصار حديثًا مِنهم عن أنفسهم بأنهم هُمُ السفهاءُ من بَعْدِ أن زَعموا أنهم إنَما تُركوا أن يؤمِنوا لئلا يكونوا مِنَ السفهاءِ . على أنَّ في هذا أمرًا آخرَ وهو أن قولَه:"أنؤمنُ"استفهامٌ ولا يُعْطَفُ الخبرُ على الاستفهام

فإِن قلت: هَلْ كان يجوزُ أن يُعْطَف قولُه تعالى: ( اللهُ يستهزئُ بِهم ) على"قالوا"من قولِه: ( قالوا إنَّا معكُم ) لا على ما بَعْدَه وكذلك كان يَفْعَلُ في ( إنَّهم هُم المفسدون ) و ( إنَهم همُ السفهاء ) . وكان يكونُ نظيرَ قولِه تعالى: ( وقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ولَوْ أَنْزَلْنا مَلَكًا لقضي الأمر ) وذلك أن قوله ( ولو أنزلنا ملكا ) معطوف من غير شك على"قالوا"دون ما بَعْده قيل إنَّ حكمَ المعطوفِ على"قالوا"فيما نحنُ فيه مخالفٌ لحكمه في الآية التي ذكرت وذلك أنَّ"قالوا"ها هُنا جوابُ شرطٍ . فلو عُطِف قولُه: ( اللهُ يستهزىءُ بهم ) عليه لَلزِمَ إدخالُه في حُكْمِه مِنْ كونِه جوابًا وذلكَ لا يَصِحُّ . وذاك أنه متى عُطِف على جوابِ الشرطِ شيءٌ بالواو كان ذلك على ضربينِ:

أحدُهما: أن يكونا شيئين يتصوَّرُ وجودُ كلِّ واحدٍ منهما دُونَ الآخر ومثالُه قولكَ: إن تأتِني أُكْرِمْكَ أعْطِكَ وأكْسُكَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت