فهرس الكتاب

الصفحة 264 من 391

واعلم أني على طولِ ما عدْتُ وأبدأتُ وقلتُ وشرحتُ في هذا الذي قامَ في أوهام الناس من حديثِ اللفظِ لربما ظننتَ أني لم أصنعْ شيئًا وذاكَ أنك ترى الناس كأنه قد قُضِيَ عليهم أن يكونوا في هذا الذي نحن بصدَدِه على التقليد البحْتِ وعلى التوهُّم والتخيُّل . وإطلاقُ اللفظ من غيرِ معرفةٍ بالمعنى قد صارَ ذاك الدأبَ والدِّيدنَ واستحكم الداءُ منه الاستحكامَ الشديدَ . وهذا الذي بيناه وأوضحناه كأنك ترى أبدا حجابًا بينهم وبينَ أن يعرفوه وكأنَّك تُسمِعُهم مِنْهُ شيئًا تلفِظُه أسماعُهم وتُنكرِه نفوسُهم . وحتى كأَنه كلما كانَ الأمْرُ أبينَ وكانوا عنِ العلم به أبعدَ وفي توهُّم خلافهِ اَقْعَد وذاك لأَنَّ الاعتقادَ الأوّلَ قد نَشِب في قلوبهم وتأشَّب فيها ودخَلَ بعروقهِ في نواحيها وصارَ كالنّبات السُّوء الذي كلما قلعتَه عادَ فنبتَ . والذي له صاروا كذلك أنهم حينَ رأَوهم يُفردون اللفظَ عن المعنى ويجعلونَ له حُسنًا على حدةً ورأَوهم قد قسَّموا الشعرَ فقالوا: إنَّ منه ما حَسُنَ لفظُه ومعناه ومنه ما حَسُنَ لفظهُ دونَ معناهُ ومنه ما حَسُنَ معناه دونَ لفظهِ ورأوهم يصفون اللفظَ بأوصافٍ لا يصفونَ بها المعنى ظنوا أنَّ للفظ من حيثُ هو لفظٌ حسنًا ومزيةً ونُبلًا وشرفًا وأن الأوصافَ التي نَحلوه إياها هي أوصافُه على الصحَّة . وذهبوا عما قدَّمنا شرَحه من أنَّ لهم في ذلك رأيا وتدبيرًا وهو أن يفصلوا بين المعنى الذي هو الغرضُ وبين الصورةِ التي يخرجُ فيها فنسبوا ما كانَ منَ الحُسْنِ والمزيَّة في صورةِ المعنى إلى اللفظِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت