تدخلُ في الشيء على أن يُخيِّلَ فيه المتكلِّمُ أنه معلومٌ ويدَّعي أنه من الصحَّةِ بحيثُ لا يدفعُه دافعٌ كقوله:
( إنَّما مُصْعَبٌ شِهابٌ مِنَ الله ... )
ومنَ اللطيفِ في ذلك قولُ قَتبَ بن حِصْنٍ - الطويل -:
( أَلا أيُّها النَّاهِي فَزارةَ بَعْدَما ... أجَدَّتْ لِغَزْوٍ إِنّما أنْتَ حالِمُ )
ومن ذلك قولُه ( تعالى ) حكاية عن اليَهُود: ( وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا في الأَرْضِ قالُوا إِنّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ ) دخلتْ"إِنّما"لتدلَّ على أنَّهم حين ادَّعَوا لأنفسهم أنهم مُصْلِحُون أظهروا أنهم يدَّعون من ذلك أمرًا ظاهرًا معلومًا . وكذلك أكَّد الأمرَ في تكذيبِهم والرَّدَّ عليهم فجمَعَ بين"أَلاَ"الذي هو للتَّنبيه وبين"إِن"الذي هو للتأكيد فقال: ( أَلا إِنَّهم هُم المُفْسِدون ولكنْ لا يَشْعُرون )
أعلمْ أنَّه لا يَصِحّ تقديرُ الحكايةِ في النَّظمِ والترتيبِ بل لن تعدوَ الحكايةُ الألفاظَ وأجراسَ الحروفِ وذلك أنَّ الحاكي هو منْ يأتي بمثلِ ما أَتَى به المَحْكِيُّ عنه ولا بدَّ أن تكونَ حكايتُه فعلًا لَهُ وأن يكونَ بها عامِلًا عَملًا مثلَ عمل المحكيِّ عنه نحو أن يصوغَ إنسانٌ خاتَمًا فيبدعَ فيه صنعةً ويأتي في صِنَاعتِه بخاصَّةٍ تُستغرَبُ فيعمَدَ واحدٌ آخرُ فيعملَ خاتمًا على تلك الصُّورةِ والهيئةِ ويجيءَ بمثلِ صنعَتِه فيه ويُؤدِّيها كما هي فيقالُ عند ذلك: إنه قد حَكَى عَملَ فلانٍ وصَنْعةَ فلانٍ . والنَّظْمُ والتَّرتيبُ في الكلام كما بَيَّنا عملٌ يعملهُ