فهرس الكتاب

الصفحة 248 من 391

ويقولُ: لم تَرَ زيدًا وإنما رأيتَ فلانًا . فتقولُ: بل لم أرَ إلاّ زيدًا . وعلى ذلك قولُه تعالى: ( ما قلتُ لهم إلاّ ما أمرْتَني به أنِ اعبُدُوا اللهَ رَبِّي وربَّكُم ) لأنه ليس المعنى أني لم أَزِدْ على ما أمرتَني به شيئًا ولكنَّ المعنى أني لم أدعْ ما أمرتَني به أن أقولَه لهم وقلتُ خلافَه . ومثالُ ما جاء في الشعرِ من ذلك قولُه - السريع -:

( قَدْ عَلِمَتْ سَلْمَى وجَارَاتُها ... ما قَطَّرَ الفَارِسَ إلاّ أَنا )

المعنى: أنا الذي قطَّر الفارسَ وليسَ المعنى على أنَّه يريدُ أن يَزْعُم أنَّه انفردَ بأنْ قطَّره وأنَّه لم يَشْرَكْه فيه غيرُه

وهاهُنا كلامٌ ينبغي أن تَعْلَمَه إلاّ أني أكتبُ لكَ مِنْ قبلهِ مسألةً لأن فيها عونًا عليه . قولهُ تعالى: ( إنما يخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ ) في تقديم اسمِ الله عزَّ وجلَّ معنًى خلافُ ما يكونُ لو أُخِّر . وإنما يبيِّنُ لكَ ذلكَ إذا اعتبرتَ الحكمَ في"ما"و"إلا"وحصَّلْتَ الفرقَ بينَ أن تقولَ: ما ضربَ زيدا إلاّ عمرٌو وبينَ قولِك: ما ضربَ عمرٌو إلاّ زيدًا . والفرقُ بينهما أنك إذا قلتَ: ما ضربَ زيدًا إلاّ عمرٌو فقدَّمْتَ المنصوبَ كان الغرضُ بيانَ الضَّاربِ مَنْ هو والإخبارَ بأنَّه عمرو خاصة دون غيره وإذا قلت ما ضرب عمرو إلا زيدًا فقدمت المرفوع كان الغرض بيان المضروب من هو والإخبار بأنه زيدٌ خاصَّةً دونَ غيره

وإذ قد عرفتَ ذلكَ فاعتبرْ بهِ الآيةَ . وإذا اعتبرتَها به علمتَ أنَّ تقديمَ اسمِ الله تعالى إنما كانَ لأجْلِ أن الغَرَضَ أن يُبَيَّنَ الخاشُونَ مَنْ هُمْ ويخبرَ بأنهم العلماءُ خاصَّةً دونَ غيرهم . ولو أخِّر ذكرُ اسمِ الله وقدَّم العلماءُ فقيلَ: إنَّما يخشى العلماءُ اللهَ لصارَ المعنى على ضِدِّ ما هو عليه الآن ولصارَ الغرضُ بيانَ المخشِيٍِّ مَنْ هو والإِخبارَ بأنّه اللهُ تعالى دونَ غيره . ولم يَجِبْ حينئذٍ أن تكونَ الخشيةُ مِنَ الله تعالى مقصورةً على العلماءِ وأن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت