فهرس الكتاب

الصفحة 288 من 391

عن مزية في المعنى

وجملة الأمْرِ أنَّا لا نوجِبُ الفصاحةَ للفظةٍ مقطوعةٍ مرفوعة من الكلامِ الذي هي فيه ولكنَّا نوجبُها لها موصولةً بغيرها ومعلَّقًا معناها بمعنى ما يليها . فإِذا قلنا في لفظةِ"اشتعل"من قولهِ تعالى: ( واشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا ) : إِنها في أعلى المرتبة من الفصاحةِ لم نوجِبْ تلك الفصاحةَ لها وحدها ولكن موصولًا بها الرأسُ معرَّفًا بالألف واللام ومرونًا إِليها الشَّيْبُ منكَّرًا منصوبًا

هذا وإِنما يقعُ ذلك في الوَهْم لمن يَقَعُ له أعني أن تُوجبَ الفصاحة للفظة وحدَها فيما كان استعارةً . فأما ما خلا منَ الاستعارة من الكلام الفصيح البليغِ فلا يعرِضُ توهُّمُ ذلك فيه لعاقلٍ أصلًا . أفلا تَرى أنه لا يقعُ في نفسِ مَن يعقِل أدنى شيءٍ إِذا هو نظرَ إِلى قولهِ عزَّ وجلَّ: ( يَحسَبوْنَ كلَّ صَيحةٍ عَلَيْهم هُمُ العَدوُّ فَاحْذَرهُمْ ) . وإلى إِكبارِ الناس شأنَ هذه الآية في الفصاحة أن يضعَ يدَه على كلمةٍ كلمةٍ منها فيقولُ: إِنها فصيحة كيف وسببُ الفصاحة فيها أمورٌ لا يشكُّ عاقلٌ في أنها معنوية:

أوَّلُها: أن كانت"على"فيها متعلقةً بمحذوف في موضع المفعولِ الثاني . والثاني: أن كانت الجملةُ التي هي"هم العدوُّ"بعدها عاريةً من حرف عطف . والثالث: التعريفُ في العدوّ وأنْ لم يقل: هم عدوٌّ . ولو أنك علَّقتَ"على"بظاهر وأدخلتَ على الجملة التي هيَ"هم العدوُّ"حرفَ عطف وأسقطتَ الألف واللام من العدوّ فقلت: يحسَبون كلَّ صيحة واقعةً عليهم وهم عدو لرأيتَ الفصاحةَ قد ذهبتْ عنها بأسرها . ولو أنك أخطرتَ ببالك أن يكونَ"عليهم"متعلِّقًا بنفس الصَّيحة ويكون حالهُ معها كحاله إِذا قلتَ: صِحْتُ عليه لأخرجتَه عن أن يكونَ كلامًا فضلًا عن أن يكونَ فصيحًا . وهذا هو الفَيْصلُ لمن عَقَل

ومن العجيبِ في هذا ما رُويَ عن أمير المؤمنين عليٍّ رضوانُ الله عليه أنه قال: ما سمعتُ كلمة عربيةً منَ العرب إِلا وسمعتُها من رسولِ الله . وسمعتُه يقول:"مات حَتْفَ"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت