فهرس الكتاب

الصفحة 377 من 391

بفكره وأنه أبو عُذْره ثم لا ترى الحسنَ وتلك الغرابة كانا إلا لِما بناهُ على الجملةِ دونَ نفسِ الجملةِ . ومثالُ ذلك قولُ الفرزدق - الطويل -:

( وما حَمَلتْ أمُّ امرىءٍ في ضُلوعِها ... أعقَّ منَ الجاني عَليها هِجائيا )

فلولا أن معنى الجملة يصيرُ بالبناءِ عليها شيئًا غيرَ الذي كان ويتغيَّر في ذاتِه لكان محالًا أن يكونَ البيتُ بحيثُ تراه من الحُسْنِ والمزيّة . وأن يكونَ معناه خاصًا بالفرزدقِ وأن يقضيَ له بالسبق إليه إذ ليس في الجملة التي بُني عليها ما يوجب شيئًا من ذلك فاعرفه

والنكتة التي يجب أن تُراعَى في هذا أنه لا تتبينُ لك صورةُ المعنى الذي هو معنى الفرزدق إلاّ عند آخرِ حرفٍ من البيت . حتى إن قطعتَ عنه قولَه:"هجائيًا"بل الياء التي هيَ ضمير الفرزدق لم يكن الذي تعقلُه منه ممَّا أراده الفرزدق بسبيل لأن غرضه تهويلُ أمر هجائه والتحذيرُ منه . وأنّ من عرَّض أمَه له كان قد عرَّضَها لأعظم ما يكونُ من الشرِّ . وكذلك حكمُ نظائِرهِ من الشِّعْرِ . فإِذا نظرتَ إلى قول القُطامي - البسيط -:

( فهنَّ يَنْبُذنَ من قولٍ يُصبْنَ بهِ ... مَواقعَ الماءِ من ذي الغُلَّةِ الصَّادي )

وجدتُك لا تحصلُ على معنًى يصحُّ أن يقالَ إنه غرضُ الشاعرِ ومعناه إلاّ عند قولهِ:"ذي الغلة". ويزيدك استبصارًا فيما قلناه أن تنظرَ فيما كانَ من الشِّعْرِ جُملًا قد عُطِفَ بعضُها على بعضٍ بالواو كقوله - الكامل -:

( النَّشرُ مِسْكٌ والوجوه دنانيرُ ... وأطرافُ الأكفِّ عَنَمْ )

وذلك أنك ترى الذي تعقِلُه من قولِه:"النَشرُ مسكٌ"لا يصيرُ بانضمام قوله:"والوجوهُ دنانيرُ"إليه شيئًا غير الذي كان بل تراه باقيًا على حاله . كذلك ترى ما تعقلِ من قولِه"والوجوهُ دنانيرُ"لا يلحَقُه تغيرُ بانضمام قوله:"وأطرافُ الأكفِّ عَنم"إليه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت