وجملةُ ما أردتُ أن أبينَه لك أنَّه لا بدَّ لكلَّ كلامٍ تستحسنُه ولفظٍ تستجيدهُ من أن يكونَ لاستحسانِك ذلك جهةٌ معلومةٌ وعلةٌ معقولةٌ . وأن يكونَ لنا إلى العبارةِ عن ذاك سبيلٌ وعلى صحةِ ما ادَّعيناهُ من ذلك دليلٌ وهو بابٌ منَ العلمِ إذا أنتَ فتحتَه اطلعتَ منه على فوائدَ جليلةٍ ومعانٍ شريفة . ورأيتَ له أثرًا في الدين عظيمًا وفائدةً جسيمة ووجدتَه سببًا إلى حَسْمِ كثيرٍ منَ الفساد فيما يعودُ إلى التَّنزيل وإصلاحِ أنواعٍ منَ الخَلل فيما يتعلقُ بالتأويل . وإنه ليؤمِنُك من أن تغالطَ في دَعواك وتدافعَ عن مَغزاك ويربأ بك عن أن تستبينَ هدىً ثم لا تهتدي إليه وتُدِلَّ بعرفانٍ ثم لا تستطيعُ أن تَدُلَّ عليه . وأنْ تكون عالمًا في ظاهرِ مقلَّدٍ ومُستبينًا في صورةِ شَاكٍّ وأن يسألك السائلُ عن حُجَّةٍ يُلقى بها الخصمُ في آيةٍ من كتاب الله تعالى أو غيرِ ذلك فلا ينصرفُ عنك بمقنعٍ وأن يكونَ غايةَ ما لصاحبك منك أن تُحيلَه على نفسه وتقول: قد نظرتُ فرأيتُ فضلًا ومزيَّةً وصادفتَ لذلك أرْيَحية . فانظرْ لتعرفَ كما عرفتُ وارجعْ نفسَك واسبر وذُقْ لتجدَ مثلَ الذي وجدتُ . فإِنْ عرفَ فذاك وإلاَّ فبينكُما التناكرُ تنسبُه إلى سوءِ التأمُّل وينسبُك إلى فسادٍ في التخيُّل . وإنَّه على الجملةِ بحيثُ يَنتْقي لكَ من علمِ الإِعراب خالصَهُ ولُبَّهُ ويأخذُ لك من أَناسي العيون وحباتِ القلوب وما لا يدفعُ الفضلَ فيه دافعٌ ولا ينكرُ رجحانَه في موازينِ العقولِ مُنكرٌ . وليس يتأتَّى لي أن أعلمَك من أولِ الأمرِ في ذلك آخرَهُ وأن أسميَ لك الفصولَ التي في نِيَّتي أن أحرَّرَها بمشيئةِ الله عزَّ وجل حتى تكونَ على علمٍ بها قبل مَوردِها عليك . فاعملْ على أنَّ هاهُنا فصولًا لا يجيءُ بعضُها في إثرِ بعضٍ وهذا أولها: