فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 391

الأول فتُخرجُه مُخرجَ ما لا يحتاجُ فيه إلى إثبات وتقرير . والقياسُ يقتضي أن يقُالَ في هذا الضربِ أعني ما أنتَ تعملُ في إثباته وتَزجيتهِ أنّهُ تشبيهٌ على حدَّ المُبالغة ويقتصرُ على هذا القدر ولا يُسمّى استعارةً

وأما التّمثيلُ الذي يكونُ مجازًا لمجيئك بهِ على حَدَّ الاستعارة فمثالهُ قولُكَ للرَّجل يتردَّدُ في الشّيءِ بين فعلهِ وتركه: أراكَ تقدَّمُ رِجلًا وتؤخَّرُ أُخرى . فالأصلُ في هذا: أراكَ في تردُّدكَ كمنْ يُقدمُ رِجْلًا ويُؤخّر أُخرى . ثم اختُصر الكلامُ وجُعل كأنه يقدّمُ الرَّجْلَ ويؤخّرُها على الحقيقة كما كان الأصلُ في قولك: رأيتُ أسدًا:"رأيتُ رجلًا كالأسد"ثم جُعل كأنّه الأسد على الحقيقة . وكذلك تقولُ للرجل يعملُ غيرَ مُعْملٍ:"أراك تنفخُ في غير فحم"و"تَخُطُّ على الماء"فتجعلُه في ظاهرِ الأمرِ كأنه ينفخُ ويخُطُّ والمعنى على أنك في فِعلك كمنْ يفعلُ ذلك . وتقولُ للرَّجلِ يُعمِلُ الحِيلةَ حتى يُميلَ صاحبَهُ إلى الشَّيءِ قد كان يأباهُ ويمتنعُ منه: ما زال يفتِلُ في الذُّروةِ والغارِب حتّى بلغَ منهُ ما أراد . فتجعلُهُ بظاهرِ اللّفظِ كأنه كان منهُ فتلٌ في ذِرْوَةٍ وغاربٍ . والمعنى على أنَّهُ لم يزلْ يرفقُ بصاحبهِ رِفقًا يشبهُ حالُه فيه حالَ الرَّجل يجيىءُ إلى البعيرِ الصَّعبِ فيحكُّه ويفتلُ الشَّعرَ في ذروتِه وغاربِه حتى يسكُنَ ويستأنسَ . وهو في المعنى نظيرُ قولهم: فلان يُفرَّدُ فلانًا يُعنى به أنه يتلطَّفُ له فعلَ الرجلِ ينزعُ القُرادَ منَ البعيرِ ليلذَّهُ ذلك فيسكن ويثبتَ في مكانه حتى يتمكَّن من أخذهِ

وهكذا كلّ كلامٍ رأيتُهم قد نَحَوا فيهِ التّمثيلَ ثم لم يُفْصحوا بذلك وأخرجوا اللَّفظَ مُخرجَهُ إذا لم يُريدوا تَمثيلًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت