وقوله (حتى يبلغ اشده) يعني قوته وقد تكون في البدن وقد تكون في المعرفة بالتجربة ولابد من حصول الوجهين فان الاشد جاءت هنا مطلقة.
وخص اليتيم بهذا الشرط لغفلة عنه وافتقاد الاباء لابنائهم فكان الاهتيال بفقد الاب اولى وليس بلوغ الاشد هو الذي يبيح قرب ماله بغير الاحسن لان الحرمة في حق البالغ ثابتة وخص اليتيم بالذكر لان خصمه هو الله والمعنى: ولا تقربوا مال اليتيم الا بالتي هي احسن الى الابد حتى يبلغ اشده).
واختلف العلماء في اشد اليتيم فقال ابن زيد: بلوغه وقال اهل المدينة: بلوغه وايناس رشده، وعند ابي حنيفة (رحمه الله) : خمس وعشرون سنة. [1]
وفي شديد نهيه سبحانه وتعالى على اكل مال اليتيم قوله تعالى: (ان الذين ياكلون اموال اليتامى ظلما انما ياكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا) [2] ، روي انها نزلت في رجل ولي مال ابن اخيه وهو يتيم صغير فاكله فانزل الله تعالى هذه الاية.
ولهذا قال جمهور الفقهاء: ان المراد الاوصياء الذين ياكلون مالم يبح لهم من مال اليتيم وقيل: انها نزلت في الكفار الذين كانوا لا يورثون النساء ولا الصغار وسمي اخذ المال على كل وجوهه اكلا لما كان المقصود هو الاكل وبه اكثر اتلاف الاشياء، وخص البطون بالذكر لتبيين نقصهم والتشنيع عليهم بضد مكارم الاخلاق وسمي الماكول نارا بما يؤول اليه [3] .
فقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ليلة اسري به انه راى قوما يجعل في افواههم صخرا من نار فسال جبريل: من هؤلاء: قال: هم الذين ياكلون اموال اليتامى.
وقال صلى الله عليه وسلم (اجتنبوا السبع الموبقات وذكر فيها(واكل مال اليتيم) [4] .
فدل الكتاب والسنة على ان اكل مال اليتيم من الكبائر وكذلك امر الله سبحانه وتعالى بايتاء اموال اليتامى لقوله تعالى (وآتوا اليتامى اموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تاكلوا اموالهم الى اموالكم انه كان حوبا كبيرا) [5] .
(1) ينظر: بداية المجتهد ونهاية المقتصد: للقاضي محمد بن احمد ابن رشد القرطبي الشهير بـ (ابن رشد الحفيد) : تحقيق: فريد عبد العزيز الجندي (2/ 278) , طبعة دار الحديث القاهرة.
(2) سورة النساء جزء من اية (10) .
(3) ينظر تفسير القرطبي المسمى: الجامع لاحكام القلاان (5/ 48) مطبعة دار الكتب المصرية.
(4) صحيح البخاري لابي عبد الله محمد بن اسماعيل بن ابراهيم بن المغيرة البخاري الجعفي (ت 256 هـ) ، (21/ 143) مطابع الشعب 1378 هـ، وصحيح مسلم: لابي الحسن مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري (ت 261 هـ) ، (1/ 244) طبعة دار احياء التراث العربية.
(5) سورة النساء اية (2) .