وإنما التصفيق للنساء". وفي معناه حديث أبي هريرة رضي الله عنه وكلاهما في الصحيحين [1] وقد سبق ذكرهما وذكر كلام العلماء في الاستدلال بهما، ودلالته على القول الثاني أقوى؛ لأن تسبيح المرأة يلزم منه رفع صوتها وسماع الرجال لها ولذلك لم يشرع لها التسبيح وشرع لها التصفيق."
الدليل الثاني: أن المرأة لم يشرع لها أن تخطب في الجمع والأعياد والاستسقاء وغيرها من الخطب المشروعة، ولم يشرع لها أن تؤذن لعموم الناس، ولا تقيم لجماعة الرجال مع النساء في المساجد، ولا تؤم الرجال في المساجد، ولا ترفع صوتها بالتلبية كما قال ابن عمر رضي الله عنهما:"لا تصعد المرأة فوق الصفا والمروة، ولا ترفع صوتها بالتلبية" [2] .
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال:"لا ترفع المرأة صوتها بالتلبية" [3] .
فدل ذلك كله على أن رفع المرأة لصوتها أمام الرجال الأجانب عورة منها.
قال الإمام الشافعي:"وبما أمر به جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم نأمر الرجال المحرمين، وفيه دلالة على أن أصحابه هم الرجال دون النساء، فأمرهم أن يرفعوا جهدهم ما لم يبلغ ذلك أن يقطع أصواتهم، فكأنا نكره قطع أصواتهم. وإذا كان الحديث يدل على أن المأمورين رفع الأصوات بالتلبية الرجال فكان النساء مأمورات بالستر، فأن لا يسمع صوت المرأة أحد أولى بها وأستر لها، فلا ترفع المرأة صوتها بالتلبية وتسمع نفسها" [4] .
قال شيخ الإسلام ابن تيميه (ت 728 هـ) :"ولأن التأذين إنما شرع في الأصل بصوت رفيع و المرأة ليست أهلا لرفع الصوت فإن ذلك عورة منها ولذلك لا ترفع صوتها بالتلبية ولأنه مشروع في الأصل لصلاة الجماعة و ليس على النساء جماعة ولما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أم ورقة أن تؤم أهل دارها جعل مؤذنا من الرجال [5] ولا بأس أن تؤذن نص عليه لما روى النجاد عن ابن عمر قال لا أنهى عن ذكر الله [6] ، قال أصحابنا: هذا إذا لم ترفع صوتها فإن رفعته كره و ينبغي أنه إن كان هناك من يسمع صوتها من الرجال و الأجانب أن يحرم [7] ."
قال العيني (ت 855 هـ) :"وأجمعوا أن المرأة لا ترفع صوتها بالتلبية وإنما عليها أن تسمع نفسها" [8] .
قال الحطاب المالكي (ت 954 هـ) :"وقال ابن فرحون وأما الأذان فممنوع في حقهن قاله"
(1) سبق تخريجهما في أدلة القول الأول.
(2) أخرجه الدار قطني (2/ 295) كتاب الحج، باب المواقيت. قال حدثنا محمد بن مخلد نا العباس بن محمد نا يا أبو داود الحفري نا سفيان الثوري عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر. ومن طريقه أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (5/ 46) كتاب الحج، باب المرأة لا ترفع صوتها بالتلبية. وهو أثر صحيح: إسناد متصل ورجاله ثقات؛ فمحمد بن مخلد هو ابن حفص أبو عبدالله الدوري العطار. قال عنه الدارقطني:"ثقة مأمون (تذكرة الحفاظ 3/ 828، وتاريخ بغداد 3/ 311) وقال ابن حجر في لسان الميزان (5/ 374) :"ثقة ثقة ثقة مشهور .. من أعلم أهل عصره إسنادًا". والعباس بن محمد هو ابن حاتم بن واقد أبو الفضل الدوري. وثقه النسائي (انظر تهذيب الكمال 14/ 248) ، والدارقطني في سننه (1/ 123) ، وقال ابن حجر في التقريب (2/ 188) :"ثقة حافظ". وأبو داود الحفري هو عمر بن سعد بن عبيد الكوفي وثقه ابن حبان، وابن معين، والعجلي، وابن وضاح وآخرون (انظر تهذيب التهذيب 3/ 452 - 453) وقال الدارقطني في العلل (9/ 282) :"وكان من الثقات الصالحين. وسفيان الثوري:"ثقة حافظ فقيه عابد إمام حجة"كمال ابن حجر في التقريب (2/ 50) . وعبيد الله، هو ابن عمر بن حفص العمري، قال عنه ابن معين:"ثقة حافظ متفق عليه" (تهذيب التهذيب 7/ 40) . ونافع مولى ابن عمر:"ثقة ثبت فقيه مشهور"كمال ابن حجر في (التقريب 4/ 9) . ورواه الدارقطني أيضًا من طريق أحمد بن إسحاق بن البهلول نا مؤمل بن إهاب نا أبو داود الحفري وبقية الإسناد مثل الأول، وهذا إسناد صحيح ولكن ليس في متنه موضع الشاهد وهو:"ولا ترفع صوتها بالتلبية". وقد رواه ابن أبي شيبة عن ابن عمر من طريق أخرى ضعيفة (3/ 328) بلفظ:"ليس على النساء أن يرفعن أصواتهن بالتلبية"قال: حدثنا أبو بكر، قال: حدثنا عمر، عن عيسى بن أبي عيسى، عن نافع عن ابن عمر به. وعلته عيسى بن أبي عيسى الخياط أو الحناط ضعفه ابن حزم في المحلى (5/ 83) وقال الذهبي في الكاشف (2/ 112) :"ضعفوه". وقال ابن حجر في التقريب (3/ 141) :"متروك". وقد ضعف ابن حزم في المحلى (5/ 83) أثر ابن عمر بضعف عيسى، والراجح صحته بالطريق الأولى كما سبق بيانه.
(3) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (3/ 328) قال: حدثنا أبو بكر قال حدثنا معن بن عيسى عن إبراهيم بن أبي حبيبة عن داود بن الحصين عن عكرمة، وهذا إسناد ضعيف؛ فداود بن الحصين روايته عن عكرمة ضعيفة. قال علي بن المديني: ما روى عن عكرمة فمنكر الحديث، وقال سفيان بن عيينة: كنا نتقي حديث داود بن الحصين، وقال أبو داود: أحاديثه عن عكرمة مناكير وأحاديثه عن شيوخه مستقيمة، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال أبو أحمد بن عدي: صالح الحديث إذا روى عنه ثقة فهو صالح الرواية إلا أن يروي عنه ضعيف فيكون البلاء منه مثل ابن أبي حبيبة وإبراهيم بن أبي يحيى (تهذيب الكمال 8/ 381) وقال ابن حجر في التقريب:"ثقة إلا في عكرمة ورمي برأي الخوارج". وفي إسناده أيضًا إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة وهو ضعيف كما قال النسائي (انظر الضعفاء والمتروكين ص 39) وابن حزم في المحلى (5/ 83) وقال الذهبي في الكشاف (1/ 208) :"قوام صوام، قال الدارقطني و غيره: متروك".
(4) الأم (2/ 232) .
(5) ونصه عن عبد الرحمن بن خلاد عن أم ورقة بنت عبد الله بن الحارث رضي الله عنها وفيه:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزورها في بيتها، وجعل لها مؤذنًا يؤذن لها، وأمرها أن تؤم أهل دارها. قال عبد الرحمن: فأنا رأيت مؤذنها شيخا كبيرا". أخرجه أبو داود وسكت عنه. واللفظ له (2/ 300 ح 578) كتاب الصلاة، باب إمامة النساء. وأحمد (6/ 405) . والحاكم (1/ 203) وزاد في الفرائض. وقال:"قد احتج مسلم بالوليد بن جميع. وهذه سنة غريبة لا أعرف في الباب حديثًا مسندًا غير هذا"ووافقه الذهبي في التلخيص. والدارقطني (1/ 403) كتاب الصلاة، باب صلاة النساء جماعة وموقف إمامهن. وابن خزيمة (3/ 89) كتاب الصلاة، باب إمامة المرأة النساء في الفريضة. وقد رووه جميعًا من طريق الوليد بن عبد الله بن جميع، قال: حدثتني جدتي وعبد الرحمن بن خلاد الأنصاري عن أم ورقة به. ومرة يرويه الوليد عن جدته فقط دون ابن خلاد، ومرة يرويه عن ابن خلاد فقط دون جدته. وقد اختلف أهل العلم في ثبوت الحديث بسبب الخلاف في الوليد بن جميع، وبسبب جهالة جدته وعبد الرحمن بن خلاد. وجدته هي ليلى بنت مالك كما جاء مصرحًا باسمها عند الحاكم. قال ابن حجر عن ليلى بنت مالك:"لا تعرف" (التقريب 4/ 456) .
وقال عن عبد الرحمن بن خلاد:"مجهول الحال" (التقريب 2/ 317) . وقال صاحب تحرير التقريب معلقًا على كلام ابن حجر:"بل مجهول العين؛ تفرد بالرواية عنه الوليد بن عبد الله بن جميع، وذكره ابن حبان في الثقات. وكأن المؤلف قلد في قوله هذا ابن القطان إذ قال: مجهول الحال" (تحرير تقريب التهذيب 2/ 317) . قال الزيلعي:"قال المنذري في مختصره: الوليد بن جميع فيه مقال، وقد أخرج له مسلم. انتهى. وقال ابن القطان في كتابه: الوليد بن جميع وعبد الرحمن بن خلاد لا يعرف حالهما. انتهى. قلت: ذكرهما بن حبان في الثقات" (نصب الراية 2/ 31) . وأعل ابن حجر إسناد الحديث بقوله: وفي إسناده عبد الرحمن بن خلاد وفيه جهالة". (تلخيص الحبير 2/ 27) وكذا الشوكاني في السيل الجرار (1/ 251) بقوله:"في إسناده عبد الرحمن بن خلاد وهو مجهول". ومن حسنه أو صححه فلأن الوليد قد احتج به مسلم كما قال الحاكم ووثقه ابن معين والعجلي، وقال الإمام أحمد وأبو داود: ليس به بأس، وقال أبو زرعة: لا بأس به. (انظر تهذيب الكمال 31/ 36 - 37) . وأما جهالة الراويين فقد وجه الألباني تحسينه في الإرواء (2/ 255 ح 493) بأن أحدهما يتقوى بمتابعة الآخر، فيرتقي الإسناد إلى درجة الحسن. وتحسين الإسناد بمتابعة المجاهيل محل نظر، وخصوصًا أن أحدهما مجهول العين. والله تعالى أعلم بالصواب."
(6) وتمام الأثر: عن وهب بن كيسان قال: سئل ابن عمر رضي الله عنهما: هل على النساء أذان؛ فغضب فقال:"أنا أنهى عن ذكر الله؟". أخرجه ابن أبي شيبة قال حدثنا أبو بكر، قال: نا أبو خالد عن ابن عجلان عن وهب به. وهذا إسناده حسن. فرواته ثقات إلا محمد بن عجلان فهو صدوق كما قال ابن حجر في التقريب (3/ 290) وجود إسناده الألباني في السلسلة الضعيفة (2/ 271) وتمام المنة (ص 153) . أما النجاد الذي ذكره ابن تيميه فهو أحمد بن سلمان بن الحسن بن إسرائيل بن يونس أبو بكر النجاد الحنبلي فقيه ومحدث، وكان يجلس ببغداد للفتوى وإملاء الحديث، وتوفي سنة 348 هـ. (انظر طبقات الحنابلة 2/ 12، 7) .
(7) شرح العمدة (4/ 102) .
(8) عمدة القاري شرح صحيح البخاري (9/ 171) .