فهرس الكتاب
فهو يفسح للناس مجال الاحتيال للانتفاع بأموال الغير بلا بدل، فيعقدون الإجارة على غير المنفعة التي يريدون، ثم يخالفون إلى الانتفاع بما يريدون، دون التزام بعوض، ولا يبالون بضمان المأجور عند الهلاك؛ لأنه نادر» [1] .
ثم يتابع حديثه بإيراد قيد قد يخفّف من الآثار التطبيقية السلبية على القاعدة، إلا أنه ليس بقوي، ولاسيما أن الجمهور على خلاف القاعدة أصلا - فيقول: «ولو أن فقهاء الحنفية خصّصوا القاعدة بحالة وقوع الضمان وتحقّقه، كما إذا هلكت الدابة مثلًا في هذه الحالة [أي في حالة استئجاره لها ليركبها إلى مكان معين فتعدَّى بذهابه بها رأسًا إلى مكان آخر] والتزام المستأجر بقيمتها: لكان لها وجه، إذ يقال: إن ضمانَ الأصلِ تندمج فيه المنافع. مع أن ذلك أيضًا غير قوي.
وجمهور المذاهب الأخرى يجتمع في نظرها الأجر والضمان ... ».
ولم يكن علماء الحنفية قبله غافلين عن هذه الآثار السلبية؛ بل ذكروا عددًا من القيود التي قد تخفّف منها:
ومن ذلك ما أفتى به كثير منهم بإيجاب تصدق الغاصب بمنافع المغصوب والزيادة المنفصلة غير المتولدة من الأصل [2] .
(1) المدخل الفقهي العام، 2/ 1037.
(2) إيجاب تصدق الغاصب بمنافع المغصوب، والزيادة المنفصلة غير المتولدة من الأصل هو قول الإمام أبي حنيفة ومحمد.
وعند إمعان النظر في هذا القول يُلحظ أنه مناقض للقاعدة؛ لأن معناها هو أن الإنسان إذا ضمن شيئًا: لا يلزمه أجر هذا الشيء. فيلزم من هذا أن تكون منافع المغصوب، والزيادة المنفصلة حقّا للغاصب؛ لئلا يجتمع الأجر والضمان. لكنهم خالفوا هذا بإيجاب التصدق بها، ممّا يعني عدم كونها حقًّا للغاصب، وهذا جمع بين الأجر والضمان؛ إذا لا فرق بين دفعها للمالك، وبين التصدق بها؛ لأن الغاصب لا يستفيد منها على كلا التقديرين!.
ولعلّ هذا هو الذي دفع أبا يوسف والحسن بن زياد وزفر إلى مخالفتهما، والقول بعدم إلزام الغاصب بالتصدق بالفضل، وذلك التزام منهم بالأصل المتقرِّر عندهم، وهو: «أن المغصوب مضمون لا شكّ فيه، وهو مملوك للغاصب ... فلا معنى للمنع من الانتفاع ... » ، قاله صاحب (بدائع الصنائع) ، 7/ 153، وقد حكى قبل ذلك القولين المعزوَّين إلى الإمام أبي حنيفة ومحمد وإلى أبي يوسف والحسن وزفر، وصرح بأن الثاني هو القياس والأول استحسان فقال:
-... «قال أبو حنيفة ? ومحمد -رحمه الله-: لا يحل له الانتفاع حتى يرضى صاحبه. وإن كان فيه فضل يتصدق بالفضل.
وقال أبو يوسف -رحمه الله-: يحلّ له الانتفاع، ولا يلزمه التصدق بالفضل إن كان فيه فضل. وهو قول الحسن وزفر -رحمهما الله- وهو القياس. وقول أبي حنيفة ومحمد -رحمهما الله- استحسان».