وکما هو معلوم أنّ کل هذه الموارد مجالات استنباطية، غير أنّه يختلف بعضها عن البعض، فان الأولي تجسّد الإستنباط الرائج بين الفقهاء - والذي يتکفّل لإعطاء حکم تکليفي أو وضعي لموضوع مّا - بينما الثّانية کانت بمعزل عن إعطاء أيّ حکم إلزاميّّ، بل تفيد استنباطًا ينتهي إلي بروز نظرية للمستنبط، تعکس واقعية من الواقعيات التي يمتلکها التشريع الإلهي، سواءً کانت هذه الواقعية ممّا يمثّل المفاهيم التي بني الشارع تشريعه عليها بشکل کلي أو في جانب من جوانب الحياة أو، يمثّل انسجامًا يتضمّنه جانب من جوانب الشريعة، أو يمثّل روحًا تستبطنها مجموعة من الأحکام الشرعية ... وما إلي ذلك من الموارد.
وبعبارة أخري: أنّ الاستنباط التنظيري يعني الرجوع إلي مصادر متنوّعة ذات علاقة بمحلّ التنظير، للحصول علي نظرية وظيفتها وصف الواقع، لا بيان حكم من حلال أوحرام.
فالفرق بين النظرية والحكم: أنّ الحكم يمثّل إمّا وجوبًا أو حرمةً أو استحبابًا و ما إلي ذلك من الأحکام التکليفية والوضعية، فلذلك يرتبط بعالم الفعل الذي له دستوره الخاصّ، ولكن النظرية تحمل علي عاتقها وظيفة الوصف؛ بمعني أنّها تصف الشريعة بأنّها كذا وكذا.
في حين أنّ الثّالثة لا تأتي إلاّ في مورد يوجد فيه نصّ، ويكون دور المقاصد فيه دور المصباح يستضاء بنوره لاستنطاق ذلك النصّ، وکشف حکم موضوع من الموضوعات من خلال هذا الاستنطاق.
وفيما يلي شرح أکثر للمورد الثاني لما فيه من أهمّية وقابلية خاصّة لا تزال مهملة من دون أيّ استفادة منها.
دور المقاصد في مجال الاستنباط التنظيري: