نعم أحييتم فينا ملة إبراهيم عليه السلام وهي الحنيفية التي أمر الله نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم باتباعها: (ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) والتي أبرز معالمها الصدع بالتوحيد، والجهر بالبراءة من المشركين (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ) يقول الشيخ أبو محمد المقدسي فك الله أسره: (وكل دعوة تهمل هذا الأسلوب فهي على غير منهج النبوة ومن ظن أن مصلحة الدعوة في مداهنة الطواغيت، وتمييع الموقف منهم، أو التكلم على إعلان الكفر بجاهلية هذا العصر وشركه وقوانينه الوضعية، فهو واهم، لأن الله أعلم بمصلحة عبادة، وهو الذي أمرهم بهذا الأمر، وألزمهم بهذا الدين القيم، واتباع ملة إبراهيم وهو عين الحكمة والرشد وأصحاب هذا الدعوة الحنيفية هم أعقل الناس وأهداهم إلى سواء السبيل، ومن أعرض عن منهجهم وسمى طريقتهم في الصدع بالتوحيد تهورًا ومثالية، وحماسًا وجهلًا، فهو ممن حق عليه قول الله تعالى(وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ) ولقد سار نبينا عليه الصلاة والسلام على هذه الملة واتبعها من أول الأمر فصدع في وجوه المشركين (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ` لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ` وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ ` وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ ` وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ ` لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) وقال لهم في عزة وشجاعة: "لقد جئتكم بالذبح"، وكسر ما قدر عليه من الأصنام في مكة, وسب آلهة المشركين, وعاب ما ألفوا عليه آباءهم،