العلوم، فكم من إنسان اتسعت معارفه، وضاقت بصيرته، وكثرة محفوظاته، غير أنه قد حُرم الحكمة، وهو في الحقيقة جاهل ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
وجماع الحكمة في إقبال العبد بقلبه إلى الله تعالى، فلا يطوف بسواه، ولا يتعلق بغيره، ولا يستقي الهدى إلا من وحيه، وهذا لايكون إلا بالتجرد التام من حظوظ النفس، فيصرف جميع حظوظ نفسه، عن أن تكون حجابا يحجب نور الوحي، إذ هي أعظم حجاب يحول بين نوره، وانتفاع القلب، ولا يكفي هذا حتى يصرفها أيضا عن تمحض إرادة الآخرة عند توارد الشهوات، فمن وفقه الله تعالى لهذا المقام، فقد رزق التوفيق في كل أموره.
ولهذا قال تعالى: {فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى} ، وقال: {إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا} .
وقال ابن القيم: (فإن الله تعالى أبى أن يجعل ذخائره في قلب فيه سواه، وهمته متعلقة بغيره، وإنما يودع ذخائره في قلب يرى الفقر غنى مع الله، والغنى فقرا دون الله، والعز ذلا دونه، والذل عزا معه، والنعيم عذابا دونه، والعذاب نعيما معه، وبالجملة فلا يرى الحياة إ لا به ومعه، والموت والألم والهم والغم والحزن إذا لم يكن معه، فهذا له جنتان جنة في الدنيا معجلة، وجنة يوم القيامة) [الفوائد] .
فهذا القسم غاية مقصده أن ينزل إلى الله وهو راض عنه فيفوز بجنته، فهو يحمل في طريقه زاد هذا الطريق، وهؤلاء لمّا رأوا الشهوات والملذات، كلها تنصب على الذين أشربت قلوبهم تلك الفتن، فركنوا إلى الذين كفروا، وإلى أولياءهم، وتبرءوا من جهاد الكفّار النازلين بأرض الإسلام، ورضوا ما هم عليه، وتابعوهم فيه، لما رأوا ذلك عرفوا ببصيرتهم أن الحق يجب أن يكون فيما سوى هذا الطريق.
فأقام واحدهم نفسه مقام الحق، بالحق، ووقف في الصف، مع أهل الإسلام، ونصر أهله، وصبر على آفات هذا الطريق، فقد حفت الجنة بالمكاره.
واجتمع همّه على أن يمضي عمره في هذه المرحلة من تاريخ الأمة، حتى يلقى الله تعالى، وقد احتمل معه في سفره، البراءة من أعداء الله، وإظهار العداوة والبغضاء لهم، وجهادهم جهادا كبيرا، وحب من يجاهدهم، وإعانتهم، بنفسه، وماله، ما استطاع إلى ذلك سبيلا، وبلسانه، ودعاءه في كل حال.
ولنعم الحامل والمحمول، ولنعلم المقصد والمأمول.
-والقسم الثاني؛ هم الذين استمتعوا بخلاقهم كما استمتع الذين من قبلهم بخلاقهم، وخاضوا كما خاضوا، فاسترابت قلوبهم في موعود الله تعالى، ونسوا لقاءه، وركنوا إلى أعداءه، وغرتهم الحياة الدنيا، وغرهم بالله الغرور، فحملوا معهم في سيرهم إلى ربهم، سوء الظن بربهم، مع إحسان الظن بأعداء الله، وأثقلوا رواحلهم بأسوأ المقامات، وأقبح المعاملات، وبئس الرفد المرفود، فوردوا بها على سخط الله وعذابه، ولبئس الورد المورود.
-ومن الناس؛ من بقوا في ريبهم يترددون، عادة الغوغاء أتباع كل ناعق، يحسبون كل صيحة حقا، وكل حديث صدقا، حيارى، فتارة يصدقون أهل الجهاد وهم ينادونهم إلى مقامات الحق، وتارة تصيغ قلوبهم إلى أهل التخذيل والمرجفين، فهؤلاء الهمج الرعاع، لاخير فيهم.
فانظر لنفسك يا مسلم أي نهجيك تنهج، طريقان شتى، مستقيم وأعوج، واختر طريق الرشد، والحق بقافلة