الصفحة 39 من 61

وأما القائم عليها يُخدّرها، كلّما همت بنهدة أقعدها عن قيامها؛ فهم علماء السوء، وحقنهم هي إلباسهم الباطل لباس الحق، وتزيينهم للأمّة ما هي فيه من الذلّ والهوان، على أنه الحكمة المهدية، والمصالح الشرعية، وأنّ إنقيادهم لحيف السلطة وإفسادها، وصدها عن سبيل الله وإبعادها، طاعة لرب العالمين، وعمل بأحكام الدين!

فعاد الخاطر تارة أخرى قائلا: مهلا يا هذا، فقل لي بربك؛ لماذا غيرنا من الشعوب لم يكن فيهم مثل ما فينا من هؤلاء المخدِّرة المخذلِّة؟! أو كانوا لكنهم سقطوا مذ وقفوا في صف الظلمة الخونة، وداستهم الأقدام وهي في طريقها إلى الحرية؟!

فحينئذ مسّني طائف من الشيطان الرجيم، أطلّ برأسه بين عقلي وخواطري فألقى؛ هو الدين نفسه، دينكم هو المسؤول، ألا تراهم لمّا نبذوا دينهم وراء ظهورهم عزُّوا، فلم يبقَ بينهم مكانٌ لأولئك المخدِّرين بإسم الدين ... وانخنس.

فقلت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أعليّ يا ابن الخطيئة الكبرى؟! إذهب إلى أفراخك من زنادقة العلمانيين والليبراليين العرب، ألم يكن ديننا هو سبب مجدنا دهورا، فلمّا نُحي عن الحكم، والمحاكم، وعن صياغة الهوية، وتوجيه الثقافة، والهيمنة على السلطة، صرنا إلى ما صرنا إليه؟!

فعاد الخاطر كرة ثالثة؛ إنّ هذه الشعوب قد استمرأت الرقّ، حتى غدت تقاتل دونه، ألا تراهم يموت طاغوتهم الذي لم يعلمهم شيئا سوى وظائف العبودية له، فيبكون على أيامه كما تبكي الثكلى على وحيدها، ألا تراهم صنعت لهم أنظمتهم أصنام الوطنيّة؛ فخروا لها سجّدا، وسبَّحوا بحمدها، ووقفوا لأعلامها خاشعين، وهم مع ذلك يرون الحاكم يسرق هذا الصنم، ويخونه، ويعبث بعرضه، ويبول عليه، وهم يصفّقون له ولصمنه! {لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت