ولا تريد أن تعرفها، وتعاقب هي من يريد أن يعرفها فضلا عن المطالبة بها، ثم جاءت أجيال إثر أجيال، لا تدري لماذا هي هكذا؟!!
والعجيب الذي لا يكاد يصدق أن يتكبكب بعض المحسوبين على العلم الشرعي في ذلك"القفص"وتنجح فيهم التجربة نفسها، فيبادرون بالزجر والتنفير من يطالب بحقوقه من الرعية أو حتى يسأل عنها، ويتحدثون دون أن يسألوا أنفسهم كيف صار أمرنا إلى هذا الحال ويعلمون تلاميذهم ما تعلموه من مشايخهم ولا يسأل أحد كيف ولماذا؟ يتحدثون دائما عن حقوق ولي الأمر، وواجبات الرعية، ويجيبون عن كل سؤال يخطر على البال في هذا المجال إلا سؤالين فهما على كل مسلم حرم محرم!:
أحدهما:
من هو ولي الأمر شرعا وحقا.
ما مدلول هذا الإسم الشرعي العظيم.
ومتى يستحقه مدّعيه، ومتى يسلب منه.
وهل له من شروط، وهل تنقضه نواقض، أم هو بلا شروط، ولاينتقض البتة؟!!
والأدهى والأمر، أنك ترى بعض الذين يتكلمون عن شروط كلمة التوحيد ونواقضها فيسهبون، ويجرون أحكام التكفير المنبثقة عن ذلك على آحاد الناس، فلا يعذرونهم بجهلهم فيما لا يعذرون فيه بالجهل، ويقومون في هذا المقام بالقسط بصرامة المؤمنين الموحدين.
فإذا وصل الأمر إلى السلطة التي ليس لمتوليها عندهم شروط ولا ينقض سلطته ناقض، فليس لأحد أن يسأله عما يفعل، بل ليس لأحد أن يسأل العلماء عما تفعله السلطة حتى لو هدمت أركان الدين، وقوضت مبانيه، وحولت البلاد والعباد إلى أداة بيد الأعداء ليمرروا مخططاتهم على أمتنا، بأموالنا، وأيدينا، وأرضنا، بل وبدماءنا.
وكأنك ترى شروط كلمة التوحيد، ونواقضها عند هؤلاء يقفان عند باب السلطان، فلا يدخلان إلا بعد تفتيش أمني يسمح بمرور ما يبرئ السلطان من تبعات ما يخالفهما!!
ولكأنك تسمعهم يقولون إن سأل سائل عن شروط من يتولى الأمر، أو نواقض سلطته، وليّ الأمر معلوم، والإيمان به واجب، والسؤال عن بدعة، والكيف مجهول، ثم يأمرون بك فتجر برجلك!!
ولم يعلموا أن الإمام مالك الذي قال هذه القولة، إنما قالها في حق ملك السموات والأرض ليزرع هيبة الله في قلوب العامة أن يسألوا عن ذاته وكيفية صفاته، ثم جر الجنود السائل من رجله فأخرجوه من المسجد، وأما السلطان فكان مالكٌ يقول رحمه الله (والله ما دخلت على ملك من هؤلاء الملوك حتى أصل إليه، إلا نزع الله هيبته من صدري) .
وقد نالته محنة من السلطة الجائرة بسبب أنه كان لايرى بيعة المكره بشيء، وكانوا يكرهون الناس على الحلف بالطلاق في بيعتهم، وذكر الذهبي في السير:"فغضب جعفر يعني بن سليمان لما ولي المدينة فدعا بمالك، فاحتج عليه بما رفع إليه عنه، فأمر بتجريده، وضربه بالسياط، وجبذت يده حتى انخلعت من كتفه، وارتكب منه أمر عظيم، فوالله ما زال مالك في رفعة وعلو"قال الذهبي: هذه ثمرة المحنة المحمودة، أنه ترفع العبد عند المؤمنين) سير أعلام النبلاء 8/ 81