الصفحة 59 من 61

أما السؤال الثاني فهو:

هل للرعية من حقوق، وما هي حقوقها، وأين يقع منها حفظ الدين والعقيدة وهي أعظم الحقوق، وكيف تدافع الرعية عن حقوقها، وكيف تنتزعها، هل لها جهات تجبر ولي الأمر على حفظ حقوق رعيته، أم الرعية قطعان سائمة، وأمواج بشرية هائمة، واجبها أن تجعل"ولي الأمر"، في رضا دائم، وبال هانئ ناعم، لا يكدر خاطره شيء، ولا يلومه لائم.

هذا وأحسنهم طريقة الذي يمنحك حق"النصيحة السرية"، الحق الأوحد والوحيد للرعية، وما أدراك ما"النصيحة السرية"؟! ثم ما أدراك ما هي؟!

هي أن تبحث جاهدا ليلا في جنح الظلام، عمن يمكنه من علماء الحكمة!! أن ينقذ عندما يصل إلى عتبة الباب العالي دين الإسلام، فتسرّ إليه بما تخشى منه على عقيدة التوحيد من ظهور موالاة الكافرين، وانتهاك أساس الدين، وتقريب المنافقين، وإبعاد المصلحين، وإياك أن يعلم أحد بما تفعل، فتقترف جريمة الخروج على ولي الأمر، تلك الطامة الكبرى، والمصيبة العظمى.

تبحث عمّن يمكنه أن يصل إلى باب السلطان، فيدخل عليه بعد الإذن، فيتقدم بالشكر والعرفان، ثم يهمس في إذنه بعد مقدمة طويلة عن عظيم حقه، ووفرة نعمه، وأنه لم يقصّر في شيء حاشا وكلا ولكن ثمة أمر صغير، وهو جد صغير بل حقير والله جد حقير، فإن رأى ولي الأمر أن يوليه اهتمامه فهو به جدير، ثم يهمس في إذنه بحق الرعية عليه، من حفظ دينهم، وأنه أعظم ما وُكل إليه.

فينظر إليه السلطان شزرا، ويلمح إليه أنه أوشك أن يرتكب منكرا، ويقتحم خطرا، لكنه يبتسم ابتسامة المغضب فيقول: سننظر في هذا الأمر بما تقتضيه المصلحة، فاخبروا الرعية بما يجب عليهم من مراعاة حقنا، والسمع والطاعة، والالتزام بالبيعة والجماعة.

فيتهلل وجه الفقيه الناصح الأمين حتى يكاد يطير فرحا، ويخرج من عند السلطان مكبّرا مسبّحا، ثم يجمع الفقهاء، فيقول لهم سرا في جنح الليل البهيم اللألْيَل! لقد وعدنا ولي الأمر خيرا، وأن ينظر فيما تقتضيه المصلحة، فيهزّ الحاضرون من فقهاء الحكمة! الذين تحولوا إلى"جيش النصيحة السرية"، جيش قيمته صفرية، غير أنه صفر كبير جدا في واقعنا السياسي، يهزّون رؤوسهم، ويرفعون أكف الضراعة أن يحفظ الله ولي الأمر لنا، ويكلل جهوده بحفظ الدين بالنجاح، ويبصره بما فيه الفلاح والصلاح.

والحاصل:

أن هذا الوضع السياسي المنتكس، فنكّس ديننا وأمتنا معه إلى أسفل سافلين، تمّكن من قلوب الناس، حتى صاروا فيه مثل تلك القصة عن تجربة القرود، وكأنه قد زرع في قلب كل فرد من الشعب المسكين، شرطي أقرب إليه من حبل الوتين، فهو يخاف أن يسأل حتى نفسه عن حقه، واستحكم هذا الأمر الخطير، فشب عليه الصغير، وهرم عليه الكبير، واصبح المعروف منكرا، والمنكر معروفا، وعرض للناس حتى كثير من العلماء من ذلك فساد في فطرهم، وظلمة في قلوبهم، وكدر في افهامهم، ومحق في عقولهم وعمتهم هذه الأمور، وغلبت عليهم حتى لم يروها منكرا.

ولئن استمر بنا هذا الحال، فستأتي دولة أخرى تطمس فيها كل معالم الدين، باسم الدين، وتقوم فيها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت