بسم الله الرحمن الرحيم ... الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين ...
أيها الأُخوة، لا شك أنكم تعلمون ما للعلوم العسكرية من أهمية، لا في الأدلة الشرعية ولا في واقع الأُمَّة الإسلامية، والله سبحانه وتعالى يقول: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} ، والنبي ? يقول:"المؤمن القوي خيرُ وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كُلٍّ خير".
والناظر اليوم إلى أحوال الأُمَّة الإٍسلامية ينظر إلى أن الأُمَّة الإسلامية تقف في مؤخرَة الأُمم من حيث القوة العسكرية والتسليح والتدرُّب، رغم أن هذا هو واجبٌ علينا شرعًا، فإعداد العُدّة هو واجبٌ على المسلمين كما قال الله سبحانه وتعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} ، فالأمر من كلام الله وكلام رسوله ? يقتضي الوجوب، الله عزَّ وجل يقول: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} ، وجاءت {قُوَّةٍ} هنا نكرة أي تشمل جميع أنواع القوة؛ بدايةً بقوة العقيدة والتوكل على الله عزَّ وجل، وقوة الإيمان مرورًا بالقوة الاقتصادية والسياسية والإدارية، انتهاءً بالقوة العسكرية، وكلُّ قوةٍ نحن بحاجتها لدفع العدو الصائل فالأمر يتوجه إليها أولًا كما يقول الشيخ محمد أمين الشنقيطي في مسألة القوة، لأن النبي ? كما في حديث المُغيرة قال:"ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي"بعد أن قرأ قول الله عزَّ وجل: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} ، وقول النبي ?:"ألا إن القوة الرمي"ليس حصرًا في هذه القوة، إنما هو تخصيصٌ على أحد أفراد العام الذي قال الله عزَّ وجل: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} ، ولكن حديث النبي ? يُبَيّن أن قوله:"ألا إن القوة الرمي"يدلُّ على أن أهم القوة في دفع العدو هي الرمي.
فنحن بحاجة إلى أن نُعِدَّ العُدَّة ونسعى قدر استطاعتنا أن نكون على أُهبة الاستعداد لدفع هذا العدو الصائل، فنحتاج إلى شيءٍ من العلوم العسكرية لنبدأ بدفع هذا العدو الصائل لو احتجنا إلى دفعه، وحاجتنا للعلوم العسكرية إنما يتوجه إلى أننا نريد أن نخوض حربًا ميدانية مع العدو الصائل.
فالحرب تنقسم إلى أقسام، أو هي أنواع؛ فالحرب النظامية إما أن تكون حربًا تقليدية، الحرب النظامية أي المقصود بها بين جيشٍ وجيشٍ آخر، إما أن تكون حربًا تقليدية هي ما اُستخدِمَ فيها الأسلحة التقليدية؛ دبابات، ومدافع، وأسلحة متوسطة وخفيفة، وطائرات بأسلحة متوسطة، بقذائف تقليدية ... وحربٌ غير تقليدية، والحرب غيرُ التقليدية هي الحروب التي يُستَخدَمُ فيها الأسلحة البيولوجية، أو النووية، أو الكيماوية، فكلُّ سلاحٍ مما يُسمّى في عصرنا من أسلحة الدمار الشامل يحول الحرب من حربٍ نظامية، أو حربٍ تقليدية إلى حربٍ غير تقليدية، وهناك نوعٌ ثالث من الحروب وهي حروب العصابات، وهذا النوع هو الذي سنتكلم عنه ونحاول أن نُرَكِّز عليه، فبما أنه ليس للمسلمين دولة وليس لهم جيش وليس لهم كيان للأسف، فقد أصبحت جميع الأُمم لها كيانات؛ من رافضة ودروز وهندوس ووثنيين ويهود ونصارى، كل هذه الأُمم التي كانت تدفع الجزية لأُمّة الإسلام أصبح لها دولة ولها كيان ولها نظام ولها جيش، ونحن لا نملك شيئًا من هذا أبدًا، ولا بُدَّ أن نبدأ ونَتَدَرَج في هذا الأمر.
ونبدأ بحرب العصابات فهي المُعضلة الحقيقية أمام الجيوش، وهي السبيل الأوحد الذي يمكن لنا أن نُنكي فيه بعدونا، فحرب العصابات هي حربٌ غير تقليدية، تُستَخدَمُ فيها أساليب من قِبَل رجال العصابات تحول قلتهم إلى كثرة، وضَعفَهُم إلى قوة، فهذه الأساليب متعددة؛ منها ما هو استراتيجي، ومنها ما هو تكتيكي سنصل إلى الحديث عنه، ولكن حرب العصابات تنقسم إلى ثلاثة أقسام: حرب العصابات في الجبال، وحرب العصابات في الأدغال، وحرب العصابات في المدن، والرابع لم يُمارَس كثيرًا وليس له تكتيكات معروفة لأنه لم يُمارَس، ولا يُناسب رجال العصابات أن يعملوا به، وهو حرب العصابات في الصحاري، فهذه الأربعة أقسام من حرب العصابات، كل نوعٍ من هذه الحروب له ميّزة، فحرب الأدغال من أعظم ميّزاتها أنها تَشُلُّ حركة الطيران