الصفحة 56 من 105

منه حرف واحد من كثرة ما هناك من المعادين والمعاندين. ولكن لا حيلة مع قول رب العالمين: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر:9] .

2)وحتى يفهم هؤلاء الماديون عنا ما نقول، دونهم أمثلة مادية محسوسة ناطقة بالمعقول - فهم يشرفون العقل ويستخفون بالمنقول - أقول:

هذا نهر النيل، وذاك دجلة والفرات والمسيسيبي على سبيل التذكير لا التكثير، أترى الماء الجاري فيها ينجس إذا خاض فيه كلب أو خنزير؟ وهذه البحار المتلاطمة في أنحاء المعمور، أترى مياهها تنجس بالمياه الحارة، التي لم تزل تصب فيها من كل قارة؟ أفتونا يافقهاء السوء؟

إن خوض الزنادقة في دين الله تعالى أشبه ما يكون بالمياه الحارة التي لا تفسد للبحر ماء ولا تحرم منه لحما - هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُه - وأشبه ما يكون بكلب عقور مجنون غطس في نهر النيل فمال به الماء فمات. يموت الكلب والنيل هو النيل. وإن شاء هؤلاء المثقفون العرب مزيدًا من أمثال العرب، فما جاؤوا به من تحليل وتعليل، وتأويل وتقويل، وتذليل وتدليل ... أشبه ما يكون بضرطة عير في فلاة.

3)إن الرد العلمي - أي مناقشة الموضوع بقواعد علمية وضوابط شرعية وموازين أصولية ولغوية ... - لا يجدي مع هؤلاء شيئًا. فهم ليسوا أهل علم ولا طلاب علم ابتداءً، حيث إنهم لم يأتوا بشبهة أصلًا فوجب كشفها، ولا أتوا بتدليس أو تلبيس فوجب رفعه وإرجاع الحق إلى نصابه. ولا هم جاؤوا سائلين عما لم يعلموا فوجب الجواب ... أبدًا، إنما نتفوا بعض النتف العلمية من مظانها الأصلية، مبتورة في نقلها مسلوخة عن سياقها، مقطوعة عن لاحقها وسابقها، فوضعوها حجة فيما ليس حجة، ثم كثّروا من هذا الركام ممتدة يدهم النجسة إلى القرآن والسنة والسيرة ومواقف بعض العلماء. فزادوا ونقصوا وكذبوا ودجّلوا وافتروا وآذوا الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وآذوا المؤمنين من الملائكة والنبيين والتابعين للدين إلى يوم الدين. ولو كان الأمر يحتاج إلى بيان علمي لفعلنا. ولكن بالنسبة لهؤلاء سواء فعلنا أم لم نفعل فالكل سيان.

إلا أني ارتأيت أن أطرح بعض قضاياهم التي تؤرقهم وتقلقهم بشيء من البسط بما يدل على زندقة القوم ولا أقول على جهلهم. فثمة فرق بين الزنديق المتلاعب بدين الله سبحانه وبين الجاهل الذي فرضه التعلم. مع العلم أن الجهل نفسه ليس معتبرًا على إطلاقه بل له ضبطه ليس هنا مجال بسطه. وهذا الذي أطرحه كاف - إن شاء الله - لإعطاء فكرة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت