فَاقْتُلُوهُ)، أليس ذلك كله تضحيةً بالنفس في سبيل الدين؟ أي أن تعارض مصلحة النفس ومصلحةِ الدين يقتضي ضرورةً التضحية بمصالح النفس - ولو بالقتل - من أجل مصالح الدين. وهكذا دواليك:
يقول الإمام الشاطبي رحمه الله في كتابه العظيم (الموافقات 2/ 30) : (إن النفوس محترمة محفوظة ومطلوبة الإحياء، بحيث إذا دار الأمر بين إحيائها وإتلاف المال عليها، أو إتلافها وإحياء المال، كان إحياؤها أولى. فإن عارض إحياؤها إماتة الدين، كان إحياء الدين أولى وإن أدى إلى إماتتها؛ كما جاء في جهاد الكفار، وقتل المرتد، وغير ذلك، وكما إذا عارض إحياء نفس واحدة إماتة نفوس كثيرة في المحارب مثلًا، كان إحياء النفوس الكثيرة أولى) .
والذي يعرف الإسلام يعرف أن للشريعة مقاصد تدور كلها على جلب المصالح وإكثارها ودرئ المفاسد وتقليلها؛ سواء كانت هذه المقاصد ضرورية أم حاجية أم تحسينية. فحيثما كان أمر الله تعالى فثم مصلحة المكلف. وحيثما كان نهيه سبحانه عن شئ فثم مفسدة على المكلف - لا محالة - فإذا رأى المرء مصلحته في نهي الله عز وجل، أو مفسدة في أمره سبحانه - فهو من هؤلاء الزنادقة، إلا أن يكون جاهلًا. هذا عن المصالح التي يدندنون حولها، والتي أساءوا فهمها، وتعسفوا في تأويلها، فألجأهم هذا الفهم السقيم إلى إرجاء النقل وتقديم العقل، وإلى القول بتطوير الفقه الإسلامي والشريعة الإسلامية لتناسب العصر وتتوافق مع متطلباته التي هي غير متطلبات الأقدمين؛ فضلوا وأضلوا: {وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا} [الكهف:17] .
4)الصدقة لا تنبغي لآل محمد:
وتجدر الإشارة هنا إلى اعتماد بعض الأحداث التاريخية من طرف هؤلاء المرتزقة وتوظيفها توظيفًا خسيسًا يخدم أغراضهم الدنيئة. من ذلك على سبيل المثال: النهي عن أخذ الصدقة لآل البيت؛ كما قال النبي صلى الله عليه وآهله وسلم: (إِنَّ الصَّدَقَةَ لا تَنْبَغِي لآلِ مُحَمَّدٍ إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ) ، ثم جاء من أعطاهم الصدقات .. لأنهم أصبحوا يتسولون في الطرقات.
والذي يجهله هؤلاء الجاهلون أن ثمة تفصيلًا بين ما حُرم تحريم المقاصد، وما حرم سدًا للذريعة - والنوع الثاني هو الذي يباح للمصلحة الراجحة، لا الأول. قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتاب القيم (إعلام الموقعين 2/ 142) : (ما حرم سدًا للذريعة أبيح للمصلحة الراجحة) ، ولنضرب لذلك مثالًا: