وإذاعات وفضائيات ... وما إلى ذلك، فهذا أيم الله هو الخطر العظيم والشر المستطير الذي وقع فيه الشيخ، وهو الذي نُناقشه معه في هذه الورقات ...
إني أعلم ما قاله الإمام ابن حزم رحمه الله تعالى في الغناء، وهو مرتكز قوي عند الشيخ القرضاوي، لكن مع ما نعتقده من خطأ كبير في قول ابن حزم، فإنه لم يُبح ولم يُجز لا لنفسه ولا لأحد من المسلمين ما يُسمى الآن بالأغاني العاطفية التي نعلم كلنا موضوعها، وكيفية أدائها، والوسط العام الذي يجري فيه ذلك الأداء ... وتحليل الغناء الماجن والفاجر، الذي يُسميه القرضاوي العاطفي، لم يقل به أحد من المسلمين الأولين والآخرين، فيما نعلم، بل لا نعلم في ذلك إلا تحريمه بالإجماع لما اجتمع في ذلك من النصوص القرآنية والحديثية التي لا يُختلف فيها. وأنا هنا أبين شيئًا من ذلك:
ولنبدأ بكلام الله تعالى في المسألة، وما قال أهل التفسير فيها:
قال الله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ} .
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله:(لما ذكر تعالى حال السعداء وهم الذين يهتدون بكتاب الله وينتفعون بسماعه كما قال تعالى {اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ ... الآية} . عطف بذكر حال الأشقياء الذين أعرضوا عن الانتفاع بسماع كلام الله وأقبلوا على استماع المزامير والغناء بالألحان وآلات الطرب.
كما قال ابن مسعود في قوله تعالى وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللهِ) . قال:"هو والله الغناء".
روى ابن جرير: حدثني يونس بن عبد الأعلى قال أخبرنا ابن وهب أخبرني يزيد بن يونس عن أبي صخر عن ابن معاوية البجلي عن سعيد بن جبير عن أبي الصهباء البكري أنه سمع عبد الله بن مسعود وهو يسأل عن هذه وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللهِ). فقال عبد الله بن مسعود:"الغناء والله الذي لا إله إلا هو". يرددها ثلاث مرات.