ثم أتبع ذلك النوع من الأغاني نوعًا آخر سماه الغناء العاطفي في قوله: (فيروز أحب سماعها في أغنية القدس وأغنية مكة، لكني لا أُتابعها في الأغنيات العاطفية، ليس لأنها حرام، وإنما لأنني مشغول) .
فهو هنا ذكر المغنية النصرانية"فيروز"، وذكر أغانيها العاطفية في مقابل تسميته لأغانيها الأخرى حول القدس ومكة. ثم نص على أنه لا يُتابعها بسبب أشغاله الكثيرة، لا لأنَّ تلك الأغاني العاطفية حرام. ولكن فقط لأنه مشغول، أما أغانيها عن المدينتين المقدستين مكة والقدس وأغاني عبد الوهاب وأم كلثوم وفايزة أحمد التي يتأثر بها جدًا إلخ ... فله من الوقت ما يكفي. وهذا هو الاستحلال بالتمام والكمال. نسأل الله تعالى العفو والعافية.
ويسرني أن أنقل إلى الإخوة الكرام ما كتبه أحد أئمة التفسير في هذا الباب بطوله تقريبًا، حيث أغنانا رحمه الله من البحث والاستقصاء. وهو الإمام القرطبي في تفسيره"الجامع لأحكام القرآن"، يقول في نفس الآية السابق ذكرها: {لهو الحديث} : (الغناء، في قول ابن مسعود وابن عباس وغيرهما. وهو ممنوع بالكتاب والسنة. والتقدير: من يشتري ذا لهو أو ذات لهو. مثل: {واسأل القرية} . أو يكون التقدير: لما كان إنما اشتراها يشتريها ويُبالغ في ثمنها كأنه اشتراها للهو. قلت: هذه إحدى الآيات الثلاث التي استدل بها العلماء على كراهة الغناء والمنع منه. والآية الثانية قوله تعالى: {وأنتم سامِدون} .
قال ابن عباس:"هو الغناء بالحميرية؛ اسمدي لنا؛ أي غني لنا". والآية الثالثة قوله تعالى: {واستفْزز منِ استطعت منهم بصوتك} .
قال مجاهد:"الغناء والمزامير". وقد مضى في"الإسراء"الكلام فيه ... وروى شُعبة وسفيان عن الحكم وحماد عن إبراهيم قال: قال عبد الله بن مسعود:"الغناء يُنْبِتُ النفاق في القلب". وقاله مُجاهد. وزاد:"إن لهو الحديث في الآية: الاستماع إلى الغناء وإلى مثله من الباطل".
وقال الحسن:"لهو الحديث: المعازف والغناء".