الصفحة 102 من 326

والسبب الثالث هو أن استخدام القوة العسكرية يواجه قيودا داخلية، وبمرور الوقت أضحى هناك جانب أخلاقي متنام من العداء لاستخدام القوة العسكرية، سيما في الدول الديمقراطية، وهذه المواقف أقوى في أوروبا أو اليابان عنها في الولايات المتحدة، ولكنها موجودة وحاضرة في كافة الديمقراطيات المتقدمة، ولا تحول هذه الأراء دون استعمال القوة، ولكنها تجعلها اختيارا له مخاطره من الناحية السياسية على القادة، خاصة إذا كان استعمالها كبيرا أو ممتدا. ويقال أحيانا إن الديمقراطيات لن تقبل بحدوث ضحايا، ولكن في هذا تبسيطا للأمور؛ فلقد توقعت الولايات المتحدة مثلا سقوط عشرة آلاف من الضحايا حين خططت لدخول حرب الخليج في 1990 في حين سادها النفور من قبل وقوع ضحايا في الصومال، أو كوسوثر، حيث كانت مصالحها القومية أقل كثيرا من أن تنخرط فيها، ناهيك عن أن الاستعداد لقبول وقوع ضحايا يتاثر بتوقعات النجاح (16) . وإذا اعتبر استخدام القوة أمرا غير عادل أو غير شرعي في نظر الدول الأخرى، فقد يكون هذا الأمر مكلفا للقادة السياسيين في السياسات الديمقراطية، ولا يمكن إغفال عنصر القوة، والإرهابيون الفاعلون من غير الدول هم أقل التزاما من الدول بالاهتمامات الأخلاقية، ولكن استخدام القوة أمر أكثر تكلفة وأكثر صعوبة بالنسبة لأغلب الدول عما كان عليه الحال في الماضي

وفي نهاية الأمر، لا تقدم عددا من المسائل نفسها على نحو مبسط اللجوء للقوة فخذ مثلا العلاقات الاقتصادية بين الولايات المتحدة واليابان، ففي 1853 أبحر الكومودود ماتيو بيري Matthew Perry في ميناء شرمودا الياباني وهدد بإلقاء القنابل إن لم تفتح اليابان موانيها للتجارة. وقد لا يكون ذلك الأسلوب وسيلة ناجحة أو مقبولة سياسيا الحل الخلافات التجارية الحالية بين الولايات المتحدة واليابان، لقد أصبحت الصين اليوم هي الرائدة في إنتاج الغاز النظيف البيئة وتنشئ أسبوعيا مصنعا لحرق الفحم ولكن فكرة التهديد باستخدام القنابل أو الصواريخ العابرة لتدمير هذه المنشأت يفتقد إلى المصداقية رغم أن هذا الناتج قد يلحق الضرر بالدول الأخرى. إن مدى الاقتصاد العولي ونطاقه، والاستقلال التبادلي المعقد، يختلفان اليوم تماما عما كان في القرن التاسع عشر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت