فهرس الكتاب
ولم تكتف مصر بدورها المناويء للأحلاف الغربية العسكرية .. فخاضت إلى جانب ذلك معركة لا تقل أهمية، هدفها تحقيق حرية الارادة المصرية وإثبات استقلالية القرار المصري في السياسة الخارجية، وكانت بريطانيا تسيطر على سياسة مصر الخارجية بشكل مباشر حتى عام 1939، ثم بشكل غير مباشر بعد هذا التاريخ وإلى أن قامت ثورة يوليو 1902 , ولم تكن بريطانيا حتى ذلك الوقت تسمح أو تتصور قيام حكومة مصرية تسيطر على علاقات مصر الخارجية وتوجهها وفقا لمصالح البلاد فحسب، وجاءت الثورة بحكومة وطنية قومية، جديدة على خريطة السياسية الدولية تتبني سياسة خارجية نابعة من مصالح مصر وحدها في إطارها القومي تتمسك بمبدا الحياد الذي استمدته من تجاربها المفجعة على مدى 150 عاما أي منذ بداية القرن التاسع عشر مع دول العالم الكبرى، فهي ترفض الأحلاف العسكرية الغربية الموجهة ضد الاتحاد السوفييتي، ولاتشارك في الحرب الباردة المشتعلة بين القوى الكبرى، تحاول أن تساوي في علاقاتها الخارجية بين الدول الغربية والاتحاد السوفييتي على اعتبار أنها جميعا دول أجنبية.
كان هذا التحول الجذري في نظر الغرب بمثل إخلالا خطيرا بميزان القوي السياسية في الشرق الأوسط، وأصبح عليه أن يعيد حساباته الاستراتيجية بدقة شديدة وعلى أسس جديدة تماما بالنسبة لبلدان إفريقيا واسيا .. أما بالنسبة لمصر فقد أصبح نظامها الثوري التحرري مثار قلق شديد للغرب .. وتزايد هذا القلق مع إنعقاد مؤتمر باندونج ثم مؤتمر بريوني في بوجوسلافيا والذي ضم عبد الناصر وتيتو ونهرو كزعماء مؤسسين لحركة عدم الانحياز. ومع إستمرار هذا النمو الواضح في شخصية مصر الدولية وثقلها على الصعيد الدولي، ازدادت حلقات التأمر الغربي والصهيوني ضدها، وأصبح القضاء على نظام مصير الثوري هدفا حيويا في الاستراتيجية الغربية إستمر قائما لسنوات طويلة، تعرضت مصر بسببه إلى حربين قاسيتين في عامي 1956 1967.
كان هدف إنشاء الجيش الوطني القوي أحد الأهداف العامة للثورة المصرية، إتضحت أبعاده فوق أرض فلسطين من خلال المآسي التي شهدتها حرب فلسطين عام 1948، وتأكدت ضرورة تحقيق هذا الهدف بعد اعتداءات إسرائيل المتكررة على حدود مصر من أوائل عام 1955. وكانت مصر قد بدأت جهودها في هذا الاتجاه مع الدول الغربية .. ولكن محاولاتها العديدة التي استمرت طوال عامي 1953، 1904 والنصف الأول من عام 1955 مثبت جميعها بالفشل.
لقد كان عام 1955 هو العام الحاسم في معركة كسر احتكار السلاح، فهو يمثل نقطة تحول اساسية في سياسة مصر الخارجية بشأن الحصول على ما تحتاجه من أسلحة، ففي هذا العام تاكدت مصر أن سعيها من أجل السلام دون قوة تسانده