فهرس الكتاب
غير بينة وإلا فإن أناسا سيقتلون وحرمات ستنتهك بدعوى قائل إنه وقع في قلبه أن هذا رجل منافق فيقتله أو يسجنه أو يبعده، أو إنه كذاب فيعامله بمقتضى ذلك فيحصل فساد عريض، فيتهم البريء، وتنتهك الحرمات بالدعاوى والظنون الكاذبة. ان خلاف الظاهر هو الظن وقد قال تعالى: {وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} [1]
ومحاولة الكشف عن الباطن ضرب من التجسس، وقد قال سبحانه {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا} [2]
وبذلك تعلم أن قاعدة الحكم بالظاهر قاعدة عظيمة لو وعاها المسلمون وعملوا في جميع الميادين في الحكم بين الناس وفى الحكم عليهم وفى تقويم إعمالهم لأثر ذلك أكبر الأثر في استقامة المجتمع بإزالة البغضاء ونشر الأخلاق الفاضلة، ولكن من الناس من يحسبون أنهم أذكياء ومن ذوى البصائر النافذة التى تخترق القلوب فتستخرج ما فيها، وتقرأ الغيب في ملامح الوجوه، ولايعترض هنا معترض بأن الفراسة والتوسم حق، لأننا نقول إن الفراسة أهلها من الذين نور الله قلوبهم بالعلم والإيمان، وهى مع ذلك لايجوز الحكم بها؛ لأن صاحب الفراسة مهما علا شأنه فلن يبلغ رتبة النبى -صلى الله عليه وسلم- ـ الذى كان يقضى ويحكم بالظاهر، قال الشاطبي:"إن أصل الحكم بالظاهر مقطوع به في الأحكام خصوصا، وبالنسبة إلى الاعتقاد في الغير عموما، أيضا فإن سيد البشر ـ صلى الله وعليه وسلم ـ مع إعلامه بالوحى يجرى الأمور على ظواهرها في المنافقين وغيرهم، وإن علم بواطن أحوالهم، ولم يكن ذلك بمخرجه عن جريان"
(1) سورة النجم , من الآية: 28
(2) سورة الحجرات , من الآية: 12