فهرس الكتاب
فكانوا يذهبون إليهم بسبب اعتقادهم بأن هؤلاء يستطيعون التعرف على الغيب عن طريق الجن والشياطين والتنجيم والفراسة وغير ذلك من الأمور التي يعتمدها أمثال هؤلاء.
وفي تطور ملموس للقضاء عند العرب، فقد حاولت قريش أن تعيِّن قضاة متخصصين للنظر في قضايا الجماعات المختلفة، يعرفهم كل من أرادهم، فعينوا قضاة مختصين بالنظر في نزاعات القرشيين أنفسهم، وكانوا من زعماء بني سهم، وكذلك كان هناك قضاة مختصون بالنظر في نزعات القرشيين مع غيرهم من القبائل الأخرى، وكان من هؤلاء القضاة هاشم بن عبد مناف، وعبد المطلب، وأبو طالب [1] .
ونظرًا لأهمية هذا الأمر، فقد جاءت جميع التشريعات السماوية بالأحكام التي تبين حقوق الناس وواجباتهم، وتبين الحدود التي ينبغي على كل أحد أن يلتزمها عند قيامه باستخدام حقه، فلا يعتدي على حقوق غيره بذلك، كما جاءت لتبين الزواجر والروادع التي تعمل على منع الاعتداء على حقوق الآخرين، وذلك ببيان العقوبات المفروضة على هذه الإعتداءات.
وقد كان الأنبياء أنفسهم يقومون بالفصل بين الناس، وتولي مَهمة القضاء بين أقوامهم، وفي هذا يقول الله تعالى: {يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [2] .
وخاطب الله تعالى نبينا محمدًا -صلى الله عليه وسلم- بقوله: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ} [3] .
امتاز الإسلام بنظام قضائي مستقل، اكتسب صفاته وخصائصه من خصائص التشريع الذي انبثق عنه، وقد تطور هذا النظام في بداية الإسلام تطورًا
(1) الزحيلي , مرجع سابق, ص 35.
(2) سورة ص، من الآية: 26.
(3) سورة المائدة، من الآية: 48.