فهرس الكتاب
سريعًا جدًا، نظرًا لسرعة انتشار الإسلام، والتطور السريع للأحداث في بداية عهد الناس به [1] .
فقد تولى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في بداية الأمر منصب القضاء بنفسه، وكان يجمع بينه وبين منصب رئاسة الدولة ووظيفة النبوة (أي التشريع) فهو الذي ينظر في أمور الناس على اختلافها باعتباره رئيسًا للدولة، وهو الذي يقضي بين الناس باعتباره قاضيًا، وهو الذي يبلغهم تشريع ربهم باعتبار نزول الوحي عليه.
وكان من الطبيعي أن يتولى الرسول -صلى الله عليه وسلم- هذه المناصب الثلاثة، حيث التشريع الإسلامي ما يزال في طور الوحي، فكان النبي -صلى الله عليه وسلم- هو المتلقي الوحيد عن ربه عز وجل، ثم هو بعد ذلك المبلغ لما أوحي إليه، ولم يكن بالإمكان في ذلك الوقت أن يتولى غيره القضاء، لأن مصادر التشريع التي يستند إليها هذا القضاء، وهي القرآن والسنة، لم تكن اكتملت بعد، فكان الرسول -صلى الله عليه وسلم- يجتهد في أقضيته بناء على ما لديه من هذين المصدرين.
ورغم كون النبي -صلى الله عليه وسلم- يتولى هذه المناصب الثلاثة: الرئاسة والقضاء والتشريع، إلا أنه كان يمارس كل واحد منها دون أي خلط أو دمج، ودون أن تتأثر إحداها جراء ممارسته للأخرى، وفي هذا يقول الإمام القرافي في الفرق الثالث والثلاثين من فروقه، وهو الفرق بين تصرفه -صلى الله عليه وسلم- بالقضاء، وبين تصرفه بالفتوى (التبليغ) وبين تصرفه بالإمامة العظمى (سلطة التنفيذ) :"اعلم أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هو الإمام الأعظم، والقاضي الأحكم، والمفتي الأعلم ... ثم تصرفاته -صلى الله عليه وسلم- بهذه الأوصاف تختلف آثارها في الشريعة، فكل ما قاله -صلى الله عليه وسلم- أو فعله على سبيل التبليغ، كان ذلك"
(1) عرنوس , حمود بن محمد , تاريخ القضاء في الإسلام , المكتبة الأزهرية للتراث، الجزيرة للنشر والتوزيع , 2008 , ط 1 , ص 6.