وقد استدل هؤلاء على ما ذهبوا إليه بقوله تعالى: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} (البقرة: 229) وقوله تعالى: {فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} (الطلاق: 2) وقوله تعالى: {فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آَيَاتِ اللهِ هُزُوًا} (البقرة: 231) .
فمن الواضح أن الله سبحانه وتعالى أمر كافة الأزواج بإحدى حالتين تجاه زوجاتهم: إما أن يمسكوهن كزوجات لهم، وإما أن يفارقوهن بمعروف، وحسن معاملة في الحالتين: الإبقاء أو الفراق.
وإن ترك الزوجة معلّقة، محجوزة على زوج مفقود، لا يعرف حاله أنه حي أو ميت، وعضلها بهذا التعليق إلى أجل غير مسمى لا يمكن قبوله، ولا ينسجم مع روح الشريعة التي لا ترضى التعليق من زوج قريب معروف مكانه كما يقول الله عز وجل: {فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ} (النساء: 129) فكيف ترضى بهذا التعليق الذي لا يدرى مآله ولا أمده متى ينتهي أجله.
فمن حق القاضي الذي منحته الشريعة ولاية رفع الضرر، أن يحدد لزوجة المفقود مدة يفتش خلالها عن المفقود، إنهاء لحالة التعليق ورفعا للضرر الواقع، وتحقيقا للتسريح بإحسان لأنه لم يبق مجال للإمساك بمعروف.
كذلك استدل هؤلاء على ما ذهبوا إليه بقول عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - كما روي عنه أنه قال:
أيما امرأة فقدت زوجها، لم تدر أين هو؟ فإنها تنتظر أربع سنين، ثم تعتد أربعة أشهر وعشرا ثم تحل [1] .
وقد عمل الصحابة بقول عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، فقضى به عثمان بن عفان، وابن الزبير، وابن عمر، وابن عباس رضي الله عنهم، وقيل: إن هذا مما لا يدرك بالقياس فيحمل على السماع من الرسول - صلى الله عليه وسلم - [2] .
(1) الموطأ مع المسوّي 2/ 182 وراجع مناصرة الدهلوي للقول الجديد للشافعي.
(2) العناية للبابرتي 4/ 443.