كذلك يقول ابن قدامة - رحمه الله: وإنما صرنا إلى إباحة التزويج لامرأة المفقود لإجماع الصحابة ولأن بالمرأة حاجة إلى النكاح، وضررا في الانتظار، فاختص ذلك بها [1] لأنه ليس على نفس الإنسان أشق من الانتظار إلى أجل غير مسمى.
ثم هناك حالتان شبيهتان بحالة زوجة المفقود، الأولى: حالة المولي الذي يحلف بأن لا يقرب زوجته أربعة أشهر، فإما أن يعود إلى معاشرتها بالمعروف، وإما أن يطلقها، وإذا امتنع، طلّقها القاضي عليه رفعا للضرر الذي أصابها.
ومن الواضح أن الضرر الذي يصيب زوجة المفقود في هذه الناحية واقع ومتحقق بل إن عودة المولي من كلامه أرجى من عودة المفقود الذي لا يعرف عنه أي أثر.
والحالة الثانية هي حالة زوجة العنين حيث إن المصاب بالعنّة يعطى فرصة سنة، فإذا مضت سنة ولم يشف من مرضه، يفرّق القاضي بينه وبين زوجته رفعا للضرر الذي أصابها ولا شك أن مصاب زوجة المفقود أكبر من مصاب زوجة العنين فيجب أن تعامل معاملة تناسب حالها [2] .
ويقول صاحب العناية العلامة البابرتي - رحمه الله: والجامع بينهما منع الزوج حق المرأة، ورفع الضرر عنها، فإن العنّين يفرق بينه وبين امرأته بعد مضي سنة لرفع الضرر عنها، وبين المولي وامرأته بعد أربعة أشهر لرفع الضرر عنها، ولكن عذر المفقود أظهر من عذر المولي والعنين، فيتعين في حقه المدتان في التربص بأن تجعل السنوات مكان الشهور، فتتربص أربع سنين عملا بالشبهين [3] .
ومن المعروف أن الدليل إذا تطرق إليه الاحتمال، يبطل به الاستدلال ويلاحظ على موقف جمهور الفقهاء الذين لا يرون التفريق بين المفقود وزوجته أن ما استدلوا به لا يخلو من ضعف واحتمالات أخرى.
(1) المغني 8/ 103.
(2) العناية شرح الهداية 4/ 443.
(3) العناية 5/ 371.