فالاستدلال بما أخرجه الدار قطني من حديث: «امرأة المفقود امرأته حتى يأتيها البيان» لا يصح، لأنه حديث غير ثابت لأن محمد بن شرحبيل من رواته أسقطه ابن أبي حاتم فيما يرويه عن أبيه، لأنه يروي المناكير، وسوار بن مصعب يقول عنه يحيي بن القطان: لا يوجد أشهر في المتروكين منه، ودونه صالح بن مالك ولا يعرف، ودونه محمد بن الفضل، ولا يعرف حاله [1] فإذا كان أربعة من رواة الحديث من الضعفاء والمتروكين فكيف يصح الاستدلال به؟
أما قول علي - رضي الله عنه: هي امرأة ابتليت فلتصبر حتى يأتيها البيان، وفي رواية: «موت أو طلاق» فمروي بسند مرسل، وقد روي عنه قول آخر مثل قول عمر بسند مسند، فالأولى الأخذ بقوله الثاني، وأن ما روي عنه موافقا لقول الصحابة الآخر ين أولى بالأخذ، لأنه مثابة إجماع بينهم، ويكون سكوت الباقين قائمًا مقام الرضا.
وأما ما روي عن رجوع عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - عن قوله فهو غير صحيح، والدليل على ذلك أن الإمام أحمد بن حنبل عند ما سئل عن رجوع عمر عن قوله في زوجة المفقود فكذّب ذلك، فقد روى أبو بكر المعروف بالأثرم: قيل لأبي عبد الله تذهب إلى حديث عمر؟ قال: هو أحسنها، يروى عن عمر من ثمانية وجوه، ثم قال: زعموا أن عمر رجع عن هذا، هؤلاء الكذابون قلت: روي من وجه ضعيف أن عمر قال بخلاف هذا؟ قال: لا إلا أن يكون الشأن يكذب.
وقيل: في حكمة تحديد أربعة أعوام للانتظار، أن هذا ناشئ عن الاحتياط صيانة للقضاء من العبث مع الدافع في أصل المسألة، هو رفع الضرر عن المرأة.
وقيل: إن أقصى ما يبقى الجنين في بطن أمه هو أربع سنين بالاستقراء، أجلت زوجة المفقود هذه المدة.
وقيل: إن هناك أسباب أخرى من بينها: أن المفقود في البلاد الإسلامية الواسعة يحتاج البحث عنه إلى مدة كافية، وقد يحتاج المفقود نفسه إلى مدة طويلة يصل بها إلى أهله، أو تصلهم رسائله مع عدم معرفة ظروفه التي تحيط به.
(1) التعليق المغني على سنن الدار قطني 3/ 312 - 313.