فهرس الكتاب
ملحمة التوابين بالشعر:
لقد صور لنا هذه الملحمة التاريخية أعشى هَمْدَان، وكان الناس يتداولونها سرًا، وهي إحدى المكتَّمات، كُنَّ يُكَتَّمن في ذلك الزمان. نظرًا لطولها؛ نختار منها بعض الأبيات وهي قصيدة رائعة باكية ذكرها الطبري بتمامها في تاريخه:
ألمَّ خيالٌ منكِ يا أمَّ غالبِ ** فَحُيِّيتِ عنَّا من حبيبٍ مُجانبِ
وما زلتِ شَجْوًَا لي وما زلتُ مُقصَدًا ** لِهَمٍّ عَرانِي من فراقِك ناصبِ
ثم يصف لنا ما حدث للتوابين:
وما أنا فيما يُكبرُ الناسُ فقده ** ويسعى له الساعونَ فيها براغبِ
فوجهَّهُ نحوَ الثَّوِيَّةِ سائرًا ** إلى ابن زيادٍ في الجموعِ الكباكبِ
بقوم همُ أهلُ التقيَّةِ والنُّهَى ** مَصَالِيتُ أنجادٌ سُراةُ مَنَاجبِ
ثم يقول مادحًا ومثنيًا ومترحمًا عليهم:
فيا خيرَ جيش للعراق وأهله ** سقيتم روايا كلِّ أسحمَ ساكبِ
فلا يَبْعَدنْ فُرساننا وحُماتنا ** إذا البيضُ أبدَت عن خدام الكواعبِ
فإنْ يُقتلوا فالقتلُ أكرمُ مِيتةٍ ** وكلُّ فتىً يومًا لإحدى الشواغبِ
وما قُتلوا حتى أثاروا عصابةً ** محلين ثَورًا كالليوثِ الضواربِ [1]
1 -نلاحظ بعد هذا العرض قلة عددهم إذا ما قورن بخصومهم (4000 في مقابل 30،000) ، ولكن قد يثور في الذهن أن قلة العدد ليست سببًا أساسيًا في الفشل ووقوع الهزيمة! ودليل ذلك قول الله تعالي: (كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله) .. وردّنا على ذلك أن الآية القرآنية تتكلم عن فئة استحقت عناية الله ومعيته ونصرته .. هذه الفئة قد أخذت بالأسباب التي شرعها الله في مثل هذه المواطن من الصراع. فالفئة القليلة قد أعدت واستعدت
(1) السابق 5/ 608 - 609