الصفحة 27 من 32

في قومه، شهد مع علي رضي الله عنه صفين ( .. ) وكان فيمن كتب إلى الحسين بن علي رضي الله عنهما يسأله القدوم إلى الكوفة فلما قدمها ترك القتال معه، فلما قتل الحسين رضي الله عنه ندم هو والمسيب بن نجبة الفزاري وجميع من خزله إذ لم يقاتلوا معه ثم قالوا ما لنا من توبة مما فعلنا إلا أن نقتل أنفسنا في الطلب بدمه فخرجوا فعسكروا بالنخيلة ( .. ) وولوا أمرهم سليمان بن صرد، وسموه أمير التوابين ثم ساروا إلى عبيد الله بن زياد ( .. ) فاقتتلوا فقتل سليمان بن صرد والمسيب بن نجبة بموضع يقال له عين الوردة" [1] ."

هكذا نكون قد ألقينا الضوء على جماعة التوابين؛ تلك الجماعة التي ظهرت في القرن الهجري الأول والخلافة الإسلامية قائمة، جماعة تخلفت عن نصرة ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وخذلت آل البيت ثم كانت كربلاء التي جرّت على الأمة بلاءً وويلات تعاني منها أمتنا إلى وقتنا الحاضر. طلب التوابون المغفرة من الله وحده وشعروا أنه لن يتحقق لهم ذلك إلا بتوبة صادقة بقتل قتلة الحسين أو قتل أنفسهم في طلب دم آل البيت رضي الله عنهم. لذلك لا عجب أن نرى اصرارهم على ملاقاة جيش ابن زياد رغم قلتهم. لا عجب أن نرى عزمهم على المضي لقتال جند الشام وعدم استجابتهم لنداءات ونصائح الولاة المخلصين لهم بالتريث لعلمهم بقوة جيش الشام واعداده وتنظيمه. غير أن القوم كان يحركهم شوق إلى لقاء ربهم لنوال المغفرة والغفران من الله سبحانه وتعالى.

من خلال هذا العرض رأينا كيف تعامل سلفنا الصالح معهم وكيف نظروا إليهم، فلم يلعنوهم، ولم يتهموهم بالتهور والجنون والإنتحار وتعريض المسلمين وأنفسهم للتهلكة والخطر، لم يعلقوا من عاش منهم على أعواد المشانق. لم يتهموا أميرهم بصلابة الرأي وعدم النظر في عواقب الأمور. لم يفعلوا كما نفعل نحن اليوم بأنفسنا رغم البون الشاسع بيننا و بينهم ورغم عدم وجود هياكل أو حتى كيانات إسلامية نحتمي بها أو نلجأ إليها.

(1) الإستيعاب في معرفة الأصحاب 2/ 63 - 64.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت