فهرس الكتاب
ونذكر مثالًا عمليًا طريفًا، يدل على حالة التكاسل، ثم يتنبه الإنسان إلى ضرورة أن يتشجَّع ويتجاسر أن يتقحّم لمعرفة كلام ربه -تبارك وتعالى-، فينبغي أن يمارس هذا الدور ..
من طفولتي حين كنت أقرأ القرآن الكريم كانت تعرض لي آية معينة فكنت أستشكل معناها ولا أعرفه، فكانت تسبب لي إشكالًا ومع ذلك كان الإنسان يتجاوزها عجلًا، يقول الله -عز وجل-: {أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آَيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} ؛ أين موطن الإشكال في هذه الآية القرآنية؟
موطن الإشكال الذي كان يتفجَّر في نفسي حين أقرأ قول الله -عز وجل-: {بَلْ لَبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ} ، (لم يتسنَّه) أي لم يتغيَّر، الله -عز وجل- يحكي قصة وهذه القصة تُنسب لعُزير أنه مرَّ على قرية فوجدها ميتة خاوية على عروشها، فتعجَّب من عظيم قدرة الله -عز وجل- فقال: {أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا} ؟!
فالله -عز وجل- يريد أن يبيّن لعبده عزير أنه قادر على ذلك وأنه قادر على ما هو أبلغ منه، {فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ} ، قال له: كم لبثت؟ فقال الرجل: لبثت يومًا أو بعض يوم، والإنسان النائم يدرك هذه الإشكالية، يعني أحيانًا تنام وحين تستيقظ لا تستطيع أن تدرك الفاصل الزمني وتقدّر الأزمان المتعلّقة بحالة النوم، فقال: {لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} .
الله -عز وجل- يريد أن يُبيِن لعبده أن حقيقة الأمر أنه لم يلبث يومًا أو بعض يوم، قال له: {قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ} ، تريد دليلًا على أنك لبثت مائة عام؟ {فَانْظُرْ} ؛ والفاء كما يقول العلماء أنها تتضمن معنى التعليل، {فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ} ، طيب الآن عدم تغير الطعام والشراب هل يدل على أن عزيرًا لبث مائة عام أم لبث يومًا أو بعض