الصفحة 37 من 61

(24) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ؛ بقية الآيات تتحدث عن يوم القيامة، فهذه الجملة المعترِضة ما هو موضوعها؟

عندما يرجع الإنسان إلى كتب التفسير سيُفضي إلى فهم تنزُّل مثل هذه الآيات القرآنية بحديث ابن عباس

-رضي الله عنه وأرضاه- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حين كان يتلقَّى القرآن من جبريل -عليه السلام-، كان يخشى من تفلُّت القرآن، واستكشاف هذا يدل على قرب الله -تبارك وتعالى- من عبده، وقرب الوحي من عبده ونبيه - صلى الله عليه وسلم -، وكأن الآيات تتنزل من الله -عز وجل- مباشرة على نبيه [1] .

المشهد الذي كان يجري بكل بساطة أن جبريل -عليه السلام- كان يقول: {لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} فالنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: {لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} ، {وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ} ، {وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ} ، وهكذا يقرأ النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلما استرسل النبي - صلى الله عليه وسلم - بهذا الفعل خشية أن يتفلَّت القرآن، جاءت الآيات منبِّهة له. تمامًا كما يجري بين شخصين -كما يقال-، تخيل أني جالس أخاطب إنسانًا معينًا ثم سرح هذا الإنسان في خياله بعيدًا، ماذا أقول له؟ أقول: (يا أخي انتبه لي) ، فهذه جملة معترضة، لا علاقة لها بالسياق السابق ولا بالضرورة في السياق اللاحق.

فالآن المدلول ليس كأنما جبريل هو الذي يخاطب النبي - صلى الله عليه وسلم - وإنما هو مجرَّد وسيط عن الله -تبارك وتعالى-، الله يخاطب عبده محمدًا مباشرة، كأن الآيات نزلت مباشرة والنبي - صلى الله عليه وسلم - يمارس هذا الفعل، فيقول الله -عز وجل- له: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ (17) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} ، اطمئن سيُجمع هذا القرآن، وإذا قرأناه سيُجمع في صدرك فاطمئن لهذه القضية، الآن فترة الاستماع

(1) (عن سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ} قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يُعَالِجُ مِنْ التَّنْزِيلِ شِدَّةً، وَكَانَ مِمَّا يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَأَنَا أُحَرِّكُهُمَا لَكُمْ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يُحَرِّكُهُمَا، وَقَالَ سَعِيدٌ: أَنَا أُحَرِّكُهُمَا كَمَا رَأَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يُحَرِّكُهُمَا فَحَرَّكَ شَفَتَيْهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ} قَالَ: جَمْعُهُ لَكَ فِي صَدْرِكَ وَتَقْرَأَهُ، {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ} قَالَ: فَاسْتَمِعْ لَهُ وَأَنْصِتْ، {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} : ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا أَنْ تَقْرَأَهُ. فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا أَتَاهُ جِبْرِيلُ اسْتَمَعَ فَإِذَا انْطَلَقَ جِبْرِيلُ قَرَأَهُ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - كَمَا قَرَأَهُ) . [البخاري/ 5] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت