وأما الثانية: فاعتبرها المتكلمون ولم يعتبرها الفقهاء (1) .
وأما الثالثة: فاتفق علماؤنا على أنها لا تعتبر، وأعتبرها أكثر المعتزلة.
هذا حاصل ما ذكره ابن برهان في الأوسط قال: وهذا ينبنى على أصل كبير بيننا وبينهم، وهو أن الكائنات بأسرها وما يجرى في العالم عندنا لا يكون إلا بإرادة اللَّه تعالى من خير وشر ونفع وضر وإيمان وكفر ما لم يرده اللَّه أن يكون لا يتصور تكونه، ولهذا أمر إبليس بالشجود ولم يرده، إذ لو أراده لسجد.
وعند المعتزلة: أمره وأراده منه، فلما لم يفعل عصى وكفر، وكذلك أمر الكفار بالإيمان.
قلت: الحق أن الأمر يستلزم الإرادة الدينية، ولا يستلزم الإرادة الكونية (2) . فإنه سبحانه لا يأمر إلا بما يريده شرعًا ودينًا، وقد يأمر بما لا يريده كونًا، وفائدته العزم على الأمتثال وتوطين النفس، ومن هنا قال بعض السلف: إن اللَّه أراد من إبليس السجود ولم يرده منه.
(1) قال في البحر: فاختلف فيها أصحابنا، فذهب المتكلمون إلى اعتبارها وذهب الفقهاء منهم إلى أنها لا تعتبر، لكن إذا وردت الصيغة مجردة عن القرائن حملت عليه. انظره 2/ 98.
(2) وهكذا وردت الإرادة في كتاب اللَّه جل وعلا.
فمثال الأولى قوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} . . {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ} . . إلى غير ذلك من الآيات.
ومثال الثانية قوله تعالى: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ في السَّمَاءِ} . . {وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} . . إلى غير ذلك من الآيات.
وانظر الكلام على نوعى الإرادة فى: المفردات للراغب ص 206، كتاب الاعتقاد له ص 302، غاية المرام للآمدى ص 65، 68، 106، الفروق في اللغة لأبى هلال العسكرى ص 114، فما بعدها، الإنصاف للباقلانى ص 153، شرح الطحاوية ص 116، سلم الوصول للمطيعى 2/ 241، أصول السرخسى 1/ 82، المسودة ص 63، الفصل في الملل والنحل 3/ 42، منهاج السنة 2/ 34، الأربعين للرازى ص 244، فتاوى شيخ الإسلام 13/ 37، شرح الكوكب 1/ 318، مذكرة الشيخ -رحمه اللَّه- ص 190، وروضة الناظر ص 99.