فهرس الكتاب

الصفحة 107 من 151

فإن قيل: فهل يتكون الجنين من ماءين وواطئين ؟ قيل: هذه مسألة شرعية كونية والشرع فيها تابع للتكوين وقد اختلف فيها شرعا وقدرا فمنعت ذلك طائفة وأبته كل الاباء وقالت: الماء إذا استقر في الرحم اشتمل عليه وانضم غاية الانضمام بحيث لا يبقى فيه مقدار رسم رأس إبرة إلا انسد فلا يمكن انفتاحه بعد ذلك لماء ثان لا من الواطئ ولا من غيره

قالوا: وبهذا أجرى الله العادة: أن الولد لا يكون إلا لأب واحد كما لا تكون الأم إلا واحدة وهذا هو مذهب الشافعي

وقالت طائفة: بل يتخلق من ماءين فأكثر قالوا: وانضمام الرحم واشتماله على الماء لايمنع قبوله الماء الثاني فإن الرحم أشوق شيء وأقبله للمنى

قالوا: ومثال ذلك كمثال المعدة فإن الطعام إذا استقر فيها انضمت عليه غاية الانضمام فإذا ورد عليها طعام فوقه انفتحت له لشوقها إليه

قالوا: وقد شهد بهذا القائف بين يدي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه في ولد ادعاه اثنان فنظر إليهما وإليه وقال: ما أراهما إلا اشتركا فيه فوافقه عمر وألحقه بهما ووافقه على ذلك الإمام أحمد ومالك رضي الله عنهما

قالوا: والحسن يشهد بذلك كما ترى في جراء الكلبة والستور تأتي بها مختلفة الألوان لتعدد آبائها وقد قال النبي ؟ [ من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسقى ماءه زرع غيره ] يريد وطء الحامل من غير الواطىء قال الإمام أحمد: الوطء يزيد في سمع الولد وبصره هذا بعد انعقاده

وعلى هذه مسألة فقهية وهي: لو أحبل جارية غيره بنكاح أو زنى ثم ملكها هل تصير أم ولد ؟ فيها أربعة أقوال وهي روايات عن الإمام أحمد: أحدها لا تصير أم ولد لأنها لم تعلق بالولد في ملكه والثاني تصير أم ولد لأنها وضعت في ملكه والثالث إن وضعت في ملكه صارت أم ولد وإن وضعت قبل أن يملكها لم تصر لأن الوضع والإحبال كان في غير ملكه والرابع إن وطئها بعد أن ملكها صارت أو ولد وإلا فلا لأن الوطء يزيد في خلقه الولد كما قال الامام أحمد: الوطء يزيد في سمع الولد وبصره وهذا أرجح الأقوال وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه و سلم [ أنه مر على امرأة مجح على باب فسطاط فقال لعل سيدها يريد أن يلم بها لقد هممت أن ألعنه لعنة تدخل معه في قبره كيف يورثه وهو لا يحل له ] والمجح الحامل المقرب وقوله كيف يورثه أي يجعل له تركة موروثة عنه كأنه عبده ولا يحل له ذلك ؟ فهذا دليل على أن وطء الحامل إذا وطئت كثيرا جاء الولد عبلا ممتلئا وإذا هجر وطؤها جاء الولد هزيلا ضعيفا فهذه أسرار شرعية موافقة للأسرار الطبيعية مبنية عليها والله أعلم

فإن قيل: فهل يمكن أن يخلق من الماء ولدان في بطن واحد ؟ قيل: هذه مسألة التوأم وهو ممكن بل وقع وله أسباب: أحدها كثرة المنى فيفيض إلى بطن الرحم دفعات والرحم يعرض له عند الحركة الجارية للمنى حركات اختلاجية مختلفة فربما اتفق أن كان الجاذب للدفعة الأولى من المنى أحد جانبيه وللثانية الجانب الآخر ومنها أن بيت الأولاد في الرحم فيه تجاويف فيكون المنى كثيرا فيغفل أحدها عن فضلة يشتمل عليها التجويف الثاني وهكذا الثالث قال أرسطو: وقد يعيش للمرأة خمسة أولاد في بطن واحد وحكى عن امرأة أنها وضعت في أربع بطون عشرين ولدا قال صاحب القانون: سمعت بجرجان أن امرأة أسقطت كيسا فيه سبعون صورة صغيرة جدا قال أرسطو: وإذا توأمت بذكر وأنثى فقلما تسلم الوالدة والمولود وإذا توأمت بذكرين أو انثيين فتسلم كثيرا قال: والمرأة قد تحبل على الحبل ولكن يهلك الأول في الأكثر فقد أسقطت امرأة واحدة اثنى عشر جنينا حملا على حمل وأما إذا كان الحمل واحدا أو بعد وضع الأول فقد يعيشان والله أعلم

فإن قيل: فما السبب المانع للحمل من الحيض غالبا قال الإمام أحمد وأبو حنيفة: إن ما نراه من الدم يكون دم فساد حيض والشافعي وإن قال أن دم حيض - وهو إحدى الروايتين عن عائشة - فلا ريب أنه نادر بالإضافة إلى الأغلب ؟ قيل: دم الطمث ينقسم ثلاثة أقسام: قسم ينصرف إلى غذاء الجنين وقسم يصعد إلى البدن وقسم يحبس إلى وقت الوضع فيخرج مع الولد وهو دم النفاس وربما كانت مادة الدم قوية - وهو كثير فيخرج بعضه لقوته وكثرته والراجح من الدليل أنه حيضا واستيفاء الأدلة من الجانبين قد ذكرناه في مواضع آخر والله أعلم

فإن قيل: فما السبب في أن النساء الحبالى يشتقن في الشهر الثاني والثالث إلى تناول الأشياء الغريبة التي لا يعتد بها طبا ؟ قيل: إن دم الطمث لما احتبس يهن بحكمة قدرها الله وهي أن صرفه غذاء للولد ومقدار ما يحتاج إليه يسير فتدفعه الطبيعة الصحيحة إلى فم المعدة فيحدث لهن شهوة تلك الأشياء الغريبة

فإن قيل: فكيف وضع الجنين في بطن أمه: قائما أو قاعدا أو مضطجعا ؟

قيل: هو معتمد بوجهه على رجليه وبراحتيه على ركبتيه ورجلاه مضمومتان إلى قدميه ووجهه إلى ظهر أمه وهذا من العناية الألهية أن أجلسه هذه الجلسة في المكان الضيق في الرحم على هذا الشكل وأيضا فلو كان رأسه إلى أسفل لوقع ثقل الأعضاء الحسية على الأعضاء الشريفة وأدى ذلك إلى تلفه ولأنه عند محاولة الخروج إذا انقلب أعانته على الخروج فإنه إذا خرج أول ما يخرج منه رأسه لأن الرأس إذا خرج أولا كان خروج سائر الأعضاء بعده سهلا ولو خرج على الباقي وإن خرجت الرجل الواحدة أولا انعاق عند الثانية وإن خرجتا معا انعاق عند اليدين وإن خرجت الرجلان واليدان انعاق عند الرأس فكان يلتوي إلى خلف وتلتوي السرة إلى العنق فيتألم الرحم ويصعب الخروج ويؤدي إلى مرضه أو تلفه

فإن قيل: فما سبب الاجهاض الذي يسمونه الطرح قبل كمال الولد ؟

قيل: الجنين في البطن بمنزلة الثمرة في الشجرة وكل منهما له اتصاله قوى بالأم ولهذا يصعب قطع الثمرة قبل كمالها من الشجرة وتحتاج إلى قوة فإذا بلغت الثمرة نهايتها سهل قطعها وربما سقطت بنفسها وذلك لأن تلك الرباطات والعروق التي تمدها من الشجرة كانت في غاية القوة والغذاء فلما رجع ذلك الغذاء إلى تلك الشجرة ضعفت تلك الرطوبات والمجاري وساعدها ثقل الثمرة فسهل أخذها وكذلك الأمر في الجنين فإنه ما دام في البطن قبل كماله واستحكامه فإن رطوباته وأغشيته تكون مانعة له من السقوط فإذا تم وكمل ضعفت تلك الرطوبات وانتهكت الأغشية واجتمعت تلك الرطةبات المزلقة فسقط الجنين هذا هو الأمر الطبيعي الجاري على استقامة الطبيعة وسلامتها وأما السقوط قبل ذلك فلفساد في الجنين ولفساد في طبيعة الأم أو ضعفت الطبيعة كما تسقط الثمرة قبل إدراكها لفساد يعرض أو لضعف الأصل أو لفساد يعرض من خارج فإسقاط الجنين لسبب من هذه الأسباب الثلاثة فالآفات التي تصيب الأجنة بمنزلة الآفات التي تصيب الثمار

فإن قيل: فكيف يخرج من الرحم - مع ضيقه - ما هو أكبر منه بأضعاف مضاعفة ؟

قيل: هذا من أعظم الأدلة على عناية الرب تعالى وقدرته ومشيئته فإن الرحم لابد أن ينفتح الانفتاح العظيم جدا قال غير واحد من العقلاء: ولابد من انفصال يعرض للمفاصل العظيمة ثم تلتئم بسرعة أسرع من لمح البصر وقد اعترف فضلاء الأطباء وحذاقهم بذلك وقالوا: لايكون ذلك إلا بعناية إلهية وتدبير تعجز العقول عن إدراكه وتقر للخلاق بكمال الربوبية والقدرة

فإن قيل: فما السبب في بكاء الصبي حالة خروجه إلى هذه الدار ؟

قيل: ههنا سببان: سبب باطن أخبر به الصادق المصدوق لا يعرفه الأطباء وسبب ظاهر فأما السبب الباطن فإن الله سبحانه اقتضت حكمته أن وكل بكل واحد من ولد آدم شيطانا فشيطان المولود قد خنس ينتظر خروجه ليقارنه ويتوكل به فإذا انفصل استقبله الشيطان وطعنه في خاصرته تحرقا عليه وتغيظا واستقبالا له بالعداوة التي كانت بين الأبوين قديما فيبكي المولود من تلك الطعنة ولو آمن زنادقة الأطباء والطبائعيين بالله ورسوله لم يجدوا عندهم ما يبطل ذلك ولا يرده وقد ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه: قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم صياح المولود حين يقع نزعة من الشيطان وفي الصحيحين من حديثه أيضا رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم [ ما من مولود يولد إلا نخسه الشيطان فيستهل صارخا من مس الشيطان إياه ] وفي لفظ آخر [ كل بني آدم يمسه الشيطان يوم ولادته إلا مريم وابنها ] وفي لفظ البخاري [ كل بني آدم يطعن الشيطان في جنبه بأصبعه حين يولد غير عيسى ابن مريم ذهب يطعن فطعن في الحجاب ] والسبب الظاهر الذي لا تخبر الرسل بأمثاله لرخصه عند الناس ومعرفتهم له من غيرهم هو مفارقته المألوف والعادة التي كان فيها إلى أمر غريب فإنه ينتقل من جسم حار إلى هواء بارد ومكان لم يألفه فيستوحش من مفارقته وطنه ومألفه وعند أرباب الإشارات أن بكاءه إرهاص بين يدي ما يلاقيه من الشدائد والآلام والمخاوف وأنشد في ذلك:

( ويبكي بها المولود حتى كأنه بكل الذي يلقاه فيها يهدد )

( وإلا فما يبكيه فيها وإنها لأوسع مما كان فيه وأرغد ؟ )

ولهم نظير هذه الإشارة في قبض كفه عند خروجه إلى الدنيا وفي فتحها عند خروجه منها وهو الإشارة إلى أنه خرج إليها مركبا على الحرص والطمع وفارقها صفر اليدين منها وأنشد في ذلك

( وفي قبض كف المرء عند ولادة دليل على الحرص الذي هو مالكه )

( وفي فتحها عند الممات إشارة إلى فرقة المال الذي هو تاركه )

ولهم نظير هذه الإشارة في بكاء الطفل وضحك من حوله: أن الأمر سبدل ويصير إلى ما يبكي من حوله عند موته كما ضحكوا عند ولادته وأنشد في ذلك:

( ولدتك إذ ولدتك أمك باكيا والناس حولك يضحكون سرورا )

( فاعمل لعلك أن تكون إذا بكوا في يوم موتك ضاحكا مسرورا )

ونظير هذه الإشارة أيضا قولهم: إن المولود حين ينفصل يمد يده إلى فيه إشارة إلى تعجيل نزوله عند القدوم عليه بأنه ضيف من تمام إكرامه تعجيل قراه فأشار بلسان الحال إلى ترك التأخير وربما مص أصبعه إشارة إلى نهاية فقره وأنه بلغ منه إلى مص الأصابع ومنه قول الناس لمن بلغ به الفقر غايته: فهو يمص أصابعه وأنشد في ذلك:

( ويهوى إلى فيه يمص بنانه يطالب بالتعجيل خوف التشاغل )

( ويعلمهم أني فقير وليس لي من القوت شيء غير مص الأنامل )

ونظير هذه الإشارة أنه يحدث بالعجب ممن يظهر من الحدث:

( ويحدث بين الحاضرين إشارة إلى أنه من حادث ليس يعصم )

( يقول: وعندي بعدها خواتها وما منكم إلا وذو العرش أرحم )

ونظير هذه الإشارة أنه يضحك بعد الأربعين وذلك عندما يتعقل نفسه الناطقة ويدركها وفي ذلك قصاص من البكاء الذي أصابه عند ولادته وتأخر بعده لكي يتأسى العبد إذا أصابته شدة فالفرج يأتي في أثرها:

( ويضحك بعد الأربعين إشارة إلى فرج وافاه بعد الشدائد )

( يقول: هي الدنيا فتبكيك مرة وتضحك أخرى فاصطبر للعوائد )

قالوا: ويرى الأماني بعد ستين يوما من ولادته ولكنه ينساها لضعف القوة الحافظة وكثرة الرطوبات وفي ذلك لطف به أيضا لضعف قلبه عن التفكر فيما يراه:

( ويرى بعين القلب - إذ يأتي له ستون يوما - رؤية الأحلام )

( لكنه ينساه بعد لضهفه عن ضبطه في يقظة ومنام )

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت