فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
وأما الأعضاء التي ليست برئيسة ولا مرءوسة فهي التي اختصت بقوى غريزية فيها من أصل الخلقة في أول التكوين ليتم بها قوام أمرها وتدبيرها في جلب المنافع ودفع المضار كالعظام والغضاريف وسائر الأعضاء المتشابهة الأجزاء مثل الرباطات والأعصاب والأوتار والشرايين والأوردة والأغشية واللحم والعظام كالأساس والأسطوانات لبناء هيكل البدن
فإن قيل: هل في العظام قوة الإحساس وحياته أم لا ؟ قيل: هذا موضع اختلف فيه أرباب الشريعة فيما بينهم وأرباب الطبيعة فيما بينهم فقالت طائقة: لا حياة في العظام وإن كان فيها قوة النمو والاغتذاء
قالوا: إن الحياة إنما هي الروح الحيواني ولا حفظ للعظام فيه
قالوا: ولأن مركب الحياة إنما هو الدم المنبث في العروق والأعصاب واللحم ولهذا لم يكن للشعر ولا للظفر نصيب من ذلك ولهذا لم يألم الإنسان بأخذه
قالوا: فحياة العظام والشعر حياة نمو واغتذاء وحياة أعضاء البدن حياة نمو وإحساس
قالوا: ولهذا قلنا إن العظام لا تنجس بالموت لأنها لم يكن فيها حياة تزول بالموت
قالوا: وزال النمو لا يوجب نجاسة ما فارقه بدليل يبس الزرع والشجر
قال آخرون: الدليل على أن العظام تحلها الحياة قوله تعالى { قال من يحيي العظام وهي رميم * قل يحييها الذي أنشأها أول مرة } والحس يدل على ذلك أيضا فإن العظم يألم ويضرب ويسكن وذلك نفس إحساسه
قالوا: ولا يمكن إنكار كون العظام فيها قوة حساسة تحس بالبارد والحار
قال الآخرون: الإحساس والألم ليس للعظم في نفسه وإنما هو لما جاوره من اللحم
قال المنازعون لهم: هذا مكابرة ظاهرة فإن العظم نفسه يألم ولا سيما إذا تصدع ثم إن الأسنان والأضراس تحس بالألم والحار والبارد بأنفسها لا بمجاورها من اللحم ولهذا توسطت طائفة ثالثة وقالت: عظام الأسنان خاصة لها الإحساس بخلاف سائر العظام وهؤلاء قد سلموا المسألة من مكان قريب فإن الذي دل على إحساس الأسنان وحياتها هو الدال على حياة سائر العظام والشبهة التي ذكروها لو صحت لمنعت من إحساس الأسنان
وأما حديث الطهارة والنجاسة فذاك لأمر آخر وراء الحياة
من نجسها بالموت سوى بينها وبين اللحم ومن لم ينجسها - وهو الراجح في الدليل - فذاك لعدم علة التنجيس فيها وإن الموت ليس بعلة النجاسة وإنما هو دليل العلة وسببها والعلة هي احتقان الفضلات في اللحم والعظم بريء من ذلك والدليل على هذا أن الشارع لم يحكم بنجاسة الحيوان النامي الذي لا نفس له سائلة لعدم احتقان الفضلات فيه فلان لا يحكم بنجاسة العظم أولى وأحرى فإن الرطوبات التي في الذباب والعقرب والخنفساء أكثر من الرطوبات التي في العظم