الصفحة 10 من 18

كشفها، ومن ثم فإن ان يأخذوا بظاهر الاعلان وان يتركوا السرائر لله سبحانه وتعالى.

وقد حدث المقداد بن عمرو الكندي - وهو ممن شهدوا بدرًا - أنه قال يا رسول الله ان لقيت كافرًا، فاقتتلنا فضرب بيدي السيف، فقطعها ثم لاذ بشجرةٍ وقال: أسلمت لله، أأقتله بعد ان قالها؟ قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا تقتله، فان قتلته فانه بمنزلتك قبل ان تقتله وأنت بمنزلته قبل ان يقول التي قال (135) .

وبمثل ذلك قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لاسامة بن زيد حين قال له في مثل هذه الحالة: يا رسول الله انما قالها مخافة السلاح، حيث قال صلى الله عليه وآله وسلم: أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم من أجل ذلك قالها أملا (136) .

اما ما روي عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد اسروا رجلًا من ثقيف فقال: يا محمد اني مسلم، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: لو قلتها وأنت تملك أمرك لأفلحت كل الفلاح (137) . ثم تركه في الوثاق ولم يقبل منه، وفي الحديث أيضًا دليل على ان للإمام ان يمتنع من قبول إسلام من عرفه أنه لم يكن صادقًا في إسلامه، ويمكن ان يقال ان معنى قوله صلى الله عليه وآله وسلم لو قلتها وأنت تملك أمرك، أي ان إسلامك قبل الأسر كان يمنع الأسر عنك ولم يرد بذلك رد إسلامه (138) .

المبحث الثامن: معتقلات الأسرى

القرآن الكريم يأمر بشد الوثاق على من قدر عليه من العدو، وهو كناية عن قيد الآسر للأسير ليمنعه من الفرار ولم يكن المسلمون في صدر الإسلام ينظمون أماكن مخصصة للاعتقال أو الحبس وذلك بسبب بساطة الأوضاع حينئذ فكان يوضع الأسير أما في المسجد مؤقتًا حتى يبت في شأنه واما ان يوزع الأسرى على أفراد المسلمين باعتبارهم انهم متضامنون مع حكومتهم وهذا هو الغالب، مع عموم الوصية بهم خيرًا. ويدل على ذلك بعض الروايات في كتب الحديث وهي:

قصة ثمامة بن اثال (*) الذي أسره المسلمون في احدى سواري المسجد وهو سيد قومه إلى ان منَّ عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأطلقه (139) .

وروي عن سودة بن زمعة رأت في بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المدينة المنورة ابا زيد سهيل بن عمرو أحد أسرى بدر مجموعة يداه إلى عنقه بحبل فلم تملك نفسها ان توجهة اليه بالكلام قائلة: أي ابا زيد أعطيتم بأيديكم ألا متُّم كرامًا: فما انتبهت الا بقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في البيت، أعلى الله ورسوله، فقلت يا رسول الله والذي بعثك بالحق ما ملكت حين رأيت ابا زيد مجموعة يداه إلى عنقه بالحبل ان قلت ما قلت (140) .

وروي عن ابن عباس قال: لما أمسى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم بدر والأسارى محبوسون بالوثاق بات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ساهرًا أول الليل فقال له أصحابه: يا سول الله مالك لا تنام، وقد أسر العباس رجلٌ من الأنصار، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: سمعت أنين عمي العباس في وثاقه فأطلقوه فسكت فنام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (141) .

اذن ربط الأسير كان مجرد وسيلة لمنعه من الهرب، لعدم تخصيص أماكن لهذا الغرض فكان ربط الأسير أمرًا مؤقتًا حتى يقرر مصيره سرعان ما تنتهي الحرب، ولو لم يفعل به هكذا لتمكن من الهرب كما حدث لاحد الأسرى فرَّ من حجرة عائشة عندما سألها النبي صلى الله عليه وآله وسلم عنه؟ فقالت: نسوة كنَّ عندي فلهيني عنه فذهب، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في أثره العيون وارصاد حتى عثروا عليه (142) .

ولابد من الاشارة إلى أقوال العلماء في مسألة السجن كونه أمر لم يكن في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيذكر العلامة ابن القيم ان الحبس الشرعي ليس هو الحبس في مكان ضيق وإنما هو تعويق الشخص ومنعه من التصرف بنفسه سواء كان في بيت أو مسجد أو كان بتوكيل الخصم أو وكيله عليه وملازمته له، ولهذا اسماه النبي صلى الله عليه وآله وسلم (أسيرًا) ثم قال: وكأن هذا هو الحبس على عهد الرسول وأبي بكر. ولكن لما انتشرت الرعية في زمن عمر ابتاع دارًا وجعلها سجنًا يحبس فيها، ولهذا تنازع العلماء من أصحاب أحمد وغيرهم: هل يتخذ الإمام حبسًا؟ على قولين: فمن قال لا يتخذ حبسًا قال: لم يكن لرسول الله ولا لخليفته حبس، ولكن يقيمه (أي الخصم) بمكان من الأمكنة أو يقام عليه حافظ، أو يأمر خصمه بملازمته كما كان يفعل النبي. ومن قال للامام ان يتخذ حبسًا قال: اشترى عمر من صفوان بن أمية دارًا بأربعة آلاف درهم وجعلها حبسًا (143) .

وذكر الشوكاني ان الحبس لم يكن في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا زمن ابي بكر ولا عمر ولا عثمان إلى زمن علي فبناه وهو اول سجن في الإسلام (144) .

المبحث التاسع: اكراه الأسرى على الإدلاء بالأسرار العسكرية

الأسير يشعر بحنان نحو وطنه وبلاده ويهتم لمصالح أمته ويفضل قومه على غيرهم وقلما يخونهم أو ينقل أخبارهم إلى عدوهم وكما ان الأسير المسلم لا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت