وقد روى النحاس عن قتادة ومجاهد أنه لا يجوز في الأسارى من المشركين إلا القتل ولا يجوز ان يؤخذ منهم الفداء ولا يمن عليهم، وجعلوا قوله تعالى {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء} (44) منسوخًا بقوله تعالى {فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} (45) وعليه فالقتل هو الحكم الوحيد فيهم (46) .
وقد فصل ابن العربي الاختلاف في آية محمد هل هي منسوخة أو لا وذكر أقوال أهل العلم ثم قال: والصحيح انها محكمة في الأمر بالقتال (47) .
المطلب الأول: أدلة القتل:
أولًا: من الكتاب:
اختلف العلماء في مسألة قتل الأسير إلى عدة أقوال بسبب الخلاف بنسخ قوله تعالى: {فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} (48) والأقوال هي:
أ-لا يحل قتل الأسير وانما يمن عليه أو يفدى وان قوله تعالى: {فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} منسوخ بقوله تعالى: {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء} (49) وهو قول جماعة من التابعين كعطاء والحسن البصري (50) .
ب-لا يجوز في أسرى المشركين إلا القتل وجعلوا قوله تعالى: {فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} ناسخًا لقوله تعالى: {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء} وهو فول مجاهد والسدي والحنفية (51) .
ج-إن الآيتين جميعًا محكمتان وان الإمام مخير بين البدائل الأربعة وهي أما القتل أو المن أو الفداء أو الاسترقاق وهو مذهب جمهور العلماء من المالكية والشافعية والحنابلة وأضاف المالكية بديلًا خامسًا وهو الجزية لكنه داخل في مفهوم الفداء (52) . أما الشيعة الإمامية فهم متفقون مع الجمهور بالبدائل الأربعة إذا الحرب لا زالت مستمرة أما إذا توقفت الحرب فلا يجوز قتل الأسير عندهم (53) .
قال ابو عبيدة [والقول في ذلك عندنا ان الآيات جميعًا محكمات لا منسوخ فيهن وذلك أنه عمل بالآيات كلها يومئذ بدأ بالقتل، فقتل عقبة بن ابي معيط والنضر بن الحارث (54) . ثم قدم المدينة فحكم في سائرهم بالفداء ثم حكم في بني قريظة سعد بن معاذ فقتل المقاتلة وسبى الذرية فنفذه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأمضاه (55) ، ثم كانت غزوة بني المصطلق رهط جويرية بنت الحارث فاستحياهم جميعًا واعتقهم ثم كان فتح مكة فأمر بقتل ابن الاخطل والقينتين وأطلق الباقين (56) ثم كان يوم حنين فسبى هوازن ومن عليهم وقتل ابا غرة الجمحي يوم أُحد وقد كان منّ عليه يوم بدر وأطلق ثمامة بن اثال (57) ، فهذه كانت أحكامه عليه الصلاة والسلام بالمن والفداء والقتل فليس شيء فيها منسوخًا والأمر إلى الإمام وهو مخير بين القتل والمن والفداء يفعل الأفضل في ذلك للإسلام وأهله وهو قول مالك والشافعي وأحمد وابي ثور] (58)
وقد وردت إشكالات على هذه النقاط:
فالحنفية قالوا: لا يجوز مفاداة أسرى المشركين لقوله تعالى: {فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} (59) وقوله تعالى: {قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} (60) وما ورد في أسرى بدر كله منسوخ ولم يختلف أهل التفسير ونقلة الآثار ان سورة براءة بعد سورة محمد صلى الله عليه وآله وسلم فوجب ان يكون الحكم المذكور فيها ناسخًا للفداء المذكور في غيرها (61) .
ووما أُشكل به أيضًا نما يكون النسخ بشيء قاطع يثبت به التأخر الزمني في الناسخ والتقدم في المنسوخ وهو غير موجود ثم ان النسخ لا يلجأ اليه إلا عند المعارضة ولا معارضة بين آية براءة (التوبة) وآية محمد إذ يمكن الجمع والتوفيق بينهما وهو أولى من القول بالنسخ فآية براءة {فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} في أولئك الذين كانوا حربًا على المسلمين وآية محمد في مطلعها الإذن بالقتال قبل الأسر وفي نهايتها حكم الأسير وهو لا يعدو أحد أمرين: المن أو الفداء لان (( إما ) )تفيد الحصر مثل (( إنما ) )كما قال الرازي (62) فالآية تخيير بين أمرين وقد ذكر ابن العربي في كتابه أحكام القرآن الخلاف في آية محمد صلى الله عليه وآله وسلم هل هي منسوخة أو محكمة؟
فقيل: هي منسوخة بقوله تعالى: {فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} (63) قال السدي.
وقيل: هي منسوخة في أهل الأوثان فانهم (( لا يعاهدون ) )ولا (( يفادون ) ).
وقيل: انها محكمة على الاطلاق قاله الضحاك.
وقالوا: انها محكمة بعد الاثخان قاله سعيد بن جبير لقوله: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى} (64) .
والتحقيق الصحيح انها محكمة في الأمر بالقتل (65) .
وقد تقدمت الإشارة إلى ان رأي الإمامية وهو مقارب لرأي سعيد بن جبير في تعليق الأسر بالاثخان.
ثانيًا: من السنة:
قال الجصاص: أتفق علماء الأمصار على جواز قتل الأسير لا نعلم بينهم خلافًا فيه وقد تواترت الأخبار عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في قتل الأسير منها قتله عقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث الذي قتله بعد الأسر يوم بدر (66) .