وقتل صلى الله عليه وآله وسلم حيّ بن أخطب صبرًا بعد ان ربط (67) .
أما الشاعر أبو غرة فقتله عليه الصلاة والسلام بعد أسره يوم أحد وقتل بني قريظة بعد نزولهم على حكم سعد بن معاذ فحكم فيهم بالقتل والسبي للذرية (68) .
وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقتل عبد الله بن سعد بن أبي سرح ولو تعلق باستار الكعبة حيث كان يكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيقول له أكتب (( غفور رحيم ) )فيكتب (( عليم حكيم ) )ثم أرتد فلحق بقريش وقال اني أصرف محمدًا حيث شئت فنزل فيه قوله تعالى: {وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنَزلَ اللّهُ} (69) .
وبعد فتح مكة استأمن له عثمان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأعرض عنه ثم أعاد الاستئمان ثانية فلما ولى قال ما كان فيكم من يقتله حين أعرضت عنه قالوا هلا أومأت الينا يا رسول الله قال: ما كان لنبي ان تكون له خائنة الأعين (70) .
وكذلك عبد الله بن الاخطل وكانت له جاريتان تغنيان بسب رسول الله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقتله علي بن أبي طالب (( عليه السلام ) )صبرًا* بأمر رسول الله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (71) .
فهذه الآثار المتواترة عن النبي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعن المسلمين الأوائل في جواز قتل الأسير وفي استبقائه واتفق فقهاء الأمصار على ذلك (72) .
ثالثًا: من المعقول:
ان في أسر الأعداء كسرًا لشوكتهم والنكاية بهم ودفع شرهم فحينما يقع المقاتل في الأسر يتحول إلى شخص مهزوم لا حول له ولا قوة، فاذا قتل الإمام دعاة الافساد من الأسرى حسمت مادة الفساد في الأرض، وحصل الزجر لكل من تسول له نفسه بالافساد أو الدعوة إليه، وإذا استرقهم الإمام دفع شرهم وحقق للمسلمين الانتفاع بهم في مصالح المسلمين وكذلك إذا أخذ منهم المال كفداء يتحقق للمسلمين الانتفاع بمالهم. وإذا بادلهم بأسرى المسلمين تحقق تخليص المسلم واستنقاذه من الأسر (73) .
ثم ان في قتل بعض الأسرى حسمًا لمادة الفساد واستئصالًا لجذور الشر وشرايين الفتنة التي تستمر لولا التخلص منهم الذي تلجا إليه الضرورة فكان في القتل مصلحة، هذا وقد رأينا في تاريخ الحرب عند اليهودية انها تبيح قتل الأسرى عمومًا، أما في الإسلام فليس الأمر كذلك، وإنما يبيح القتل للضرورة فقط (74) .
مناقشة أدلة السنة والمعقول
حوادث قتل بعض الأسرى في أول الإسلام تعتبر حوادث فردية لظروف معينة وليست تشريعًا دائمًا عامًا إلا لتجدد نفس الظروف.
فقد قتل بعض الاسارى لغلوهم في معادات الدعوة الإسلامية وعظم نكايتهم بالمسلمين ولتأليب القبائل وتحريضهم على المسلمين وللتمادي في إيذاء الرسول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والاسترسال في هجائه كما هو الحال بالنسبة للأفراد الذين ذكرهم الجصاص وقد تقدم في المبحث السابق، وهذا هو الذي استندوا إليه في الدليل المعقول حيث قرروا ان في قتل مثل هؤلاء الناس حسمًا لمادة الكفر والفساد.
واما بنو قريظة فأنهم هم الذين رضوا بالتحكيم ونزلوا على مقتضاه وليس في ذلك شأن الأسير إذ ان ذلك تسليم على شرط وهو تحكيم سعد بن معاذ فيهم وهو من مواليه وقتل الأسرى في الأحوال السابقة شبيه بصنيع الدول الحديثة بشأن محاكمة مجرمي الحرب الصورية والحكم عليهم بالإعدام (75) .
وأما قتل أسرى بدر فقد كان من مبدأ الأمر حيث لم يتحقق شرط الأسر وهو التمكين للدعوة وإظهار صلابة الدولة والتمهيد لدعم مجدها وهيبتها كما يحصل في قيام كل دولة بطريق الثورة والغلبة. والدليل على ذلك آية: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى} (76) أي يغلب في الأرض، يقول الشيخ محمد متولي الشعراوي في تفسيره للآية: أي ما ينبغي لنبي ان يكون له أسرى حتى يقسو على الكفار في القتال، ويريد الحق سبحانه وتعالى هنا ان ينبه المؤمنين إلى أنهم لو كانوا يريدون الأسرى لعرض الدنيا كان يطمع أي واحد في من يخدمه أو يصلح في امرأة ليقضي حاجته منها، وفي مال يبغي به رغد العيش كل ذلك مرفوض لانه سبحانه وتعالى لا يريد من المؤمن ان يجعل الدنيا أكبر همه بل يريد الحق من المؤمنين ان يعملوا أو يحسنوا الاستخلاف في الأرض ليقيموا العدل على قدر الاستطاعة ويجزيهم الله من بعد ذلك بالحياة الدائمة المنعمة في الجنة.
وقوله: {لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ اللّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (77) . هذه الآية الكريمة تشرح وتبين ان الحق سبحانه وتعالى لا يحاسب أحدًا إلا بعد ان ينزّل التشريع الذي يرتب المقدمات والنتائج ويحدد الجرائم والعقوبات ولولا ذلك لنزل بالمؤمنين العذاب لأخذ الأسرى قبل ان تستقر الدعوة وبما ان الحق تبارك وتعالى لا يعذب إلا بمخالفة سبقها التشريع الذي يحددها لولا ذلك لأنزل العذاب بالمؤمنين ولكن هذا الفعل لم يجرّم من قبل فلا عقاب عليه (78) .
وقال الزمخشري: يثخّن بالتشديد ومعنى الإثخان كثرة القتل والمبالغة فيه من قولهم: أثخنته الجراحات إذا