سنة، لكن يجب على الإمام قبول الجزية من الأسرى؟
نص الحنابلة والاباضية على ان للإمام قبول الجزية من الأسرى دون ان يزول التعيين الثابت فيهم عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فيفهم من هذا انه لا يجب عليه قبول عقد الذمة (112) .
وعند الشافعية وجهان:
أحدهما: انه يجب قبولها كما يجب إذا بلوها وهم في غير الأسر (113) .
ثانيهما: انه لا يجب لانه يسقط بذلك ما ثبت من اختيار القتل والاسترقاق والمن والفداء (114) .
وللدكتور الزحيلي تعليق يقول: ان مدار مذهب الفريق الأول على فعل عمر في سواد العراق وهو لا يخفى فعل صاحبي لا حجة فيه عن جمهور العلماء (115) ، لان الصحابي مجتهد فيما ذهب إليه والمجتهد أيًا كان يجوز عليه الخطأ وعلى هذا فلا يجب على التابعي المجتهد ولا من بعده ان يعمل بمذهبه (116) .
ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم انه إذا أرسل سرية أوصاهم بقوله (( اخرجوا باسم الله، قاتلوا في سبيل الله من كفر بالله، ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تغلوا ولا تقتلوا الولدان ولا أصحاب الصوامع ) ) (117) .
وروي ان امرأة وجدت مقتولة في بعض المغازي، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم (( ما كانت هذه لتقاتل ) )وفي رواية (( نهى عن قتل النساء والصبيان ) ) (118) وعفى صلى الله عليه وآله وسلم عن عطية القرظي* عندما وقع أسيرًا بيد المسلمين لانه كان صبيًا لم ينبت الشعر على عورته (119) .
وقد ورد ان المسلمين كانوا يكشفون المآزر عن الأسرى من بني قريظة، ليعرفوا بذلك البالغ (120) .
وعليه فان جمهور العلماء من الحنفية والشافعية والحنابلة لا يجيزون أسر الرهبان أو فاقدي الأهلية* من المجانين والمعتوهين. وخالف في ذلك مالك والامامية حيث أجاز أسر المجانين (121) وروي عن أبي حنيفة انه اجاز أسر الرهبان (122) إلا ان السرخسي بيّن بان مراد أبي حنيفة هم الرهبان الذين يحرضون الناس على القتال (123) .
وتأويل السرخسي يتناسب مع توجه أبي حنيفة لانه كان يمنع اسر الطاعنين في السن والمرضى والعميان لأنهم لا يحملون السلاح (124) .
المبحث السابع: إسلام الأسير
ان أسلم الأسير البالغ المكلف حرم دمه فلا يجوز قتله عند جميع علماء المسلمين من الأمامية والمذاهب الأربعة (125) مستدلين بقول الرسول (ص) أمرت ان أقاتل الناس حتى يشهدوا ان لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها (126) .
ويبقى للإمام الخيار في باقي الخصال، فعند الحنابلة: يصير رقيقًا ويزول التخيير السابق (127) .
وبهذا يظهر ان اعتناق الإسلام عند العلماء لا ينافي الرق جزاءً على الكفر الأصلي وقد وجد بعد انعقاد سبب الملك وهو الاستيلاء على الحربي.
وذكر الشوكاني بأنه يجوز المفاداة بالأسير المسلم فأن النبي (ص) فدى العقيلي الذي أسلم برجلين من المسلمين (128) .
أما عند الحنفية فقالوا: اذا فتح الإمام بلدةً عنوة اي قهرًا، فأسلم أهلها فقد تعين الأسر عليهم وإسلامهم لا يمنع استرقاقهم ما لم يكن هذا الإسلام قبل الأخذ (129) .
واختلف في الحربي اذا دخل دار الإسلام فأسلم قبل ان يؤخذ: ثم أخذه واحد من المسلمين، هل يجري عليه الأسر أم لا؟
فعند ابي حنيفة يكون فيئًا لجماعة المسلمين، وعند ابي يوسف ومحمد يكون حرًا لا سبيل لاحد عليه (130) ، ووجه قول ابي حنيفة انه لما دخل دار الإسلام فقد انعقد سبب الملك فيه لوقوعه في يد أهل الدار، فاعترض الإسلام بعد انعقاد سبب الملك لا يمنع (131) وعند الصاحبين ان سبب الملك هو الأخذ حقيقة فكان حرًا قبله، حيث وجد الإسلام قبل وجود سبب الملك فيه فيمنع ثبوت الملك (132) .
والإسلام ينظر لظاهر الأسير ولا يسأل عن صدق نيته في إسلامه أو كذبه، فروي انه لما أسر من أسر من المشركين تكلم قوم منهم بالإسلام ولم يمضوا بذلك عزيمة، ولا اعترفوا به اعترافًا جازمًا فقال تعالى {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الأَسْرَى إِن يَعْلَمِ اللّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُواْ اللّهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} (133) .
فقد بينّ لرسوله الحقيقة، فان كان هذا القول منهم خيرًا ويعلمه الله فيقبل ذلك منهم ويعوضهم خيرًا، وان كان هذا خيانة ومكرًا، فقد خانوا الله من قبل (134) .
على ان القرآن اذا كان قد كشف نيات بعض الأسرى لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) رغم اعلانهم الإسلام فان المحاربين من المسلمين لم يؤمروا بالبحث عن هذه النيات لانهم لم يستطيعوا