الصفحة 8 من 18

كتابك واتزوجك )) قالت: نعم يا رسول الله! قال (( قد فعلت ) )قالت وخرج الخبر إلى الناس: ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تزوج جويرية بنت الحارث فقال الناس: أصهار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأرسلوا ما بأيديهم، قالت: فلقد اعتق بتزويجه إياها مائة أهل بيت من بني المصطلق (94) .

يلاحظ ان الاسترقاق كان من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم واتباعه جريًا على شريعة المعاملة بالمثل ومقتضى ضرورة قانون الحرب السائد في ذلك الزمان، إذ لو استرق الأعداء أسرى المسلمين دون مقابلتهم بالمثل لاستمر العدو فعله ولكان ذلك سببًا في زيادة عدد الرقيق في العالم دون ان يقيد بقيد وفي هذا من المفسدة والضرر ما لا يخفى ثم ان الإسلام يدعو إلى عتق الرقيق فشرع نوافذ عدة لعتق الرقاب فجعل العتق كفارة عن كثير من الجرائم والذنوب.

وخصص الإسلام لبيت المال سهمًا من الصدقات التي تجبى لتنفق في سبيل تحرير الرقاب، وفضلًا عن ذلك فان الإسلام جعل من أسس النجاة في الآخرة فك رقبة {وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ فَكُّ رَقَبَةٍ} (95) .

المطلب الثالث: أدلة المن على الأسرى

قال صاحب القاموس: منّ عليه منّا: أنعم واصطنع عنده صنيعة (96) .

والمن في اصطلاح الفقهاء: تخلية سبيل الأسير وإطلاق سراحه إلى بلاده بغير شيء يؤخذ منه (97) .

وقد تقدم ذكر آراء المذاهب بشأن الأسرى وكان رأي الجمهور هو جواز المن على الأسير مطلقًا.

قال الترمذي: والعمل على هذا عن أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وغيرهم ان للإمام ان يمنّ على من شاء من الأسارى ويقتل من شاء منهم ويفدي من شاء (98) .

اما الحنفية: فيمنعون ذلك إلا ان يرى الإمام النظر للمسلمين في المن على بعض الاسارى كما منّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على ثمامة بن أثال الحنفي (99) . أو يمنّ على الرقاب تبعًا للأراضي، لما في ذلك من انتفاع للمسلمين بالجزية والخراج (100) .

فالأصل عند الحنفية عدم جواز المن واحتجوا على ذلك بما يلي:

أولًا: بقوله تعالى: {فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} (101) فهذه الآية بعمومها نسخت آية {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء} (102) لان سورة براءة آخر ما نزل من القرآن في هذا الشأن (103) .

وقد تقدم الرد على هذا الإشكال وهو النسخ، وان الجمع بين الآيتين ممكن، وعليه فان آية محمد تبقى محكمة وهي تدل على جواز المن وهو قول الجمهور كما تقدم.

ثانيًا: في المن على الأسير إبطال حق الغانمين وهو لا يجوز وبالمن تمكين الأسير من يعود حربًا على المسلمين وتقوية عددهم عليهم وذلك لا يحل (104) .

وهذا أيضًا لا حجة فيه ان لانه القياس في مقابل النص (105) . وقد ثبت المن بالنص عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقد اضطر الحنفية لمسايرة مذهبهم في المن ان يقولوا: ما جاء من المن على بعض الأسارى كأبي عزة الجمحي الشاعر وأهل خيبر وغيرهم، ذلك كان قبل انتساخ حكم المن أو لاحتمال كون ذلك قد حدث في مقابلة الجزية وصيرورتهم ذمة (106) .

ويرد على ذلك بما سبق ان ذكرناه من عدم نسخ آية المن كما اعتمد ذلك جمهور المفسرين والعلماء والاحتمال في الأدلة لا يفيدنا شيئًا في إثبات المدعى.

قال ابو عبيد فهذا - جواز المن - ما سنّهُ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المن وقد عملت به الأمة من بعده وقال أيضًا: وقد منّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على أُناس كأهل مكة وأهل خيبر بعد بدر بلا فدية ولا مال وغنما يؤخذ بالآخر من فعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (107) .

ويوضح ذلك ان ثمانين رجلًا من أهل مكة هبطوا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من جبل التنعيم عند صلاة الفجر ليقتلوهم فأخذهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاعتقهم فأنزل الله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ} (108) .

وفي أثر غزوة بدر فقط بدليل ما روى جبير بن مطعم القرشي ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال في أسارى بدر (( لو كان المطعم بن عدي حيًا ثم كلمني في هؤلاء النتنى لتركتهم له ) )أي لأطلقهم له بغير فداء (( وهو المن ) )مكافأة له على إحسانه في السعي لنقض الصحيفة التي كتبتها قريش في ان لا يبايعوا الهاشمية والمطلبية ولا يناكحوهم (109) .

المطلب الرابع: قبول الجزية من الأسرى

رأي المالكية والحنفية ان للإمام ان يترك الأسرى احرارًا في بلاد المسلمين على ان يعقد لهم ذمة ودليلهم فعل عمر في أهل سواد العراق حيث تركهم أحرارًا ذمة للمسلمين واستثنى الحنفية مشركي العرب والمرتدين كما تقدم (110) .

وأما الشافعية والحنابلة: فقد أعطوا الخيار للإمام في شأن الأسرى بين أربعة أمور إلا أنه إذا طلب الأسرى الذين تقبل منهم الجزية تخليتهم على إعطاء الجزية وعقد الرقة جاز للإمام قبول ذلك منهم لأنه إذا اجاز أن يمّن على الأسير من غير مال أو بمال يؤخذ منه مرة واحدة فلا حرج بأخذ المال منه في كل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت