الصفحة 7 من 18

أثبتته حتى تثقل عليه الحركة وأثخنه المرض إذا أثقله من الثخانة التي هي الغلط والكثافة يعني حتى يذكر الكفر ويضعفه بإشاعة القتل في أهله ويعز الإسلام ويقويه بالاستيلاء والقهر ثم الأسر بعد ذلك ومعنى (( وما كان ) )ما صح له وما استقام وكان هذا يوم بدر فلما كثر المسلمون نزل {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء} (79) اذن فهي عتاب على مجرد الأسر قبل ان يتحقق شرطه وهو التمكين لهيبة الدولة ولم تتعرض هذه الآية لقتل الأسرى فهو امر لا يجوز إلا في حدود المصلحة العامة وهذه الآية لا تتعارض وآية {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء} التي نزلت بعد ان استقر المر للدعوة الجديدة وذلك لبيان التشريع الدائم في الأسرى (80) .

والحاصل ان سبب الخلاف بين الفقهاء هو مخالفة ظاهر القرآن لفعله عليه الصلاة والسلام وذلك ان ظاهر قوله تعالى: {فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ} انه ليس للإمام بعد الأسر إلا المن أو الفداء وقوله تعالى: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ} والسبب الذي نزلت فيه من أسارى بدر يدل على ان القتل في بادئ أمر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أفضل من الاستعباد - على حد تعبير بعض العلماء - وأما هو عليه الصلاة والسلام فقد قتل الأسارى في أحوال معينة (81) .

وقد تقدم الذكر بان قتل الأسرى في السنة كان لحالات خاصة أو لحسم مادة الفساد ان خيف ان لا تحسم بغير هذه الذريعة وان آية أسرى بدر كانت لإظهار الامتنان على الناس بعدم قتلهم مع انهم يستحقون القتل أو انها لمجرد العتاب على الأسر نفسه.

فتعاليم الشريعة الإسلامية ترجح جانب الفضل والإحسان عند القدرة وما نقرره موافق لما قاله بعض العلماء آنفًا، وهو انه لا يجوز قتل الأسير وحكى الحسن بن محمد التميمي* ان إجماع الصحابة على ذلك (82) .

وقال الشيعة الإمامية إن أُخذ الأعداء بعد انقضاء الحرب لم يقتلوا (83) . واستدلوا بان إباحة القتل هي لدفع المحاربة قال تعالى: {فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ} (84) وقد اندفع ذلك بالأسر وانقضاء الحرب فليس القتل بعد ذلك إلا إبطالًا لحق المسلمين بعدما ثبت في رقاب الأسرى وذلك لا يجوز مما يدل لهذا ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنكر على خالد بن الوليد قتل أسرى بني خديجة حين قالوا صبأنا في حين انه امتنع بعض الصحابة من قتلهم فقال ابن عمر: والله لا أقتل أسيري (85) .

اذن فقتل الأسرى في الإسلام أقرب إلى التحريم منه إلى الإباحة وأن أُبيح فهو دواء ناجع في حالات فردية خاصة وللضرورة القصوى وليس ذلك علاجًا لحالات عامة وقد منع الشافعي وابو يوسف قتل الأسرى إلا لأسباب معينة كالحاجة إلى إضعاف العدو وإغاظته أو ما تمليه المصلحة العامة العليا للمسلمين (86) .

المطلب الثاني: أدلة أسترقاق الأسرى

أولًا: من الكتاب:

قال تعالى: {فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء} (87) .

قالوا - أي الجمهور - قد فهم من الأمر بشد الوثاق بدليل ما أخرجه البيهقي عن ابن عباس في قوله تعالى: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ} (88) وان ذلك كان يوم بدر والمسلمون قلة فلما كثروا واشتد سلطانهم انزل الله تعالى: {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء} فجعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالخيار فيهم إن شاؤوا قتلوا وان شاؤوا استعبدهم وان شاؤوا فادوهم (89) .

أما الحسن البصري وعطاء بن أبي رباح فقد استدلوا بآية (( المن والفداء ) )على انها هي المحكمة ولا يجوز في الأسير لا القتل ولا الاسترقاق لان الآية هي تمييز بين أمرين فقط (90) . لكن الدالة الصحيحة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دلت على القتل والرق.

أما الشيعة الإمامية فهم يوافقون الجمهور في جواز استرقاق الأسير (91) .

ثانيًا: من السنة:

ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم استرق بعض العرب كهوازن وبني المصطلق وقبائل من العرب، وفتحت الصحابة بلاد فارس والروم فسبوا من استولوا عليه بهذا قال جمهور العلماء (92) .

وروي ان المسلمين كانوا يقولون لعامل كسرى (( أمرنا رسول ربنا صلى الله عليه وسلم ان نقاتلكم حتى تعبدوا الله وحده أو تؤدوا الجزية، وأخبرنا نبينا عن رسالة ربنا من قتل منا صار إلى الجنة في نعيم لم ير مثله قط ومن بقي منا ملك رقابكم ) ) (93) .

وتزوج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جويرية* بنت الحارث من سبايا بني المصطلق فأعتق بتزويجه إياها مائة من اهل بيت بني المصطلق إكرامًا لصهر رسول الله عليه الصلاة والسلام فما كانت امرأة أعظم بركة على قومها منها. حيث لما قسم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سبايا بني المصطلق وقعت جويرية بنت الحارث في السبي لثابت بن قيس بن شماس أو لابن عم له، فكاتبته على نفسها وكانت امرأة حلوة ملاحة فأتت رسول الله (ص) فقالت: يا رسول الله: اني جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار سيد قومه وقد أصابني من البلاء ما لم يخف عليك، فجئتك استعينك على كتابي هذا قال: فهل لك في خير من ذلك؟ قالت وما هو يا رسول الله قال (( أقضي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت