الأسرى هم الرجال المقاتلون من الكفار إذا ظفر المسلمون بأسرهم أحياء (9) .
وقيل أيضًا: هو من يظفر به المسلمون من الحربيين إذا دخلوا دار الإسلام بغير أمان (10) .
والأسير في اصطلاح القانون الدولي، هو كل شخص يؤخذ لا لجريمة ارتكبها وأنما لأسباب عسكرية (11) .
وقد بينت اتفاقية جنيف الثالث المفهوم الدولي المعاصر لأسرى الحرب حيث تضم هذه المفردة في طياتها القوات المسلحة النظامية والمراسلين الحربيين والأفراد المدنيين الذين يتعاونون مع القوات المسلحة ويعملون على ثباتهم في المعارك الحربية مثل أطقم البواخر والطائرات المدنية التابعة لأحد الأطراف المتنازعة أو سكان الأقاليم التي لم تقع بعد تحت سيطرة العدو، والذين يحملون السلاح بمحض إرادتهم لغرض المقاومة، ومتعهدي تموين الجيش وغير ذلك (12) .
أولًا: من الكتاب
قال تعالى: {فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (13) .
فقوله تعالى (( فخذوهم ) )عبارة عن الأسر، والأخذ هو الأسير، ويدل على جواز أسرهم، وقوله تعالى (( واحصروهم ) )أي احبسوهم وقيدوهم وامنعوهم من التصرف في البلاد (14) .
فهي تدل على جواز الأسر للمقاتلين الحربيين من الكفار (15) .
وقال تعالى: {فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ} (16) .
فقوله تعالى: (( فشدوا الوثاق ) )فأسروهم واحفظوهم والوثاق في الأصل مصدر كالخلاص، وأريد به هاهنا ما يوثق به وقرئ (( الوثاق ) )بالكسر وهو اسم لذلك، ويجيء فعال اسم آلة كالحزام والركاب نادر على خلاف القياس وظاهر كلام البعض ان كلا من المفتوح المكسور اسم لما يوثق به (17) والمراد هو الأسر فمن لم يقتل من المقاتلين الكفار في الحرب أُخذ أسيرًا حتى تتحقق الغلبة والانتصار على الأعداء (18) .
وهذه الآية المباركة لا تتناقض مع قوله تعالى: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا} (19) لان هذه الآية ليس فيها المنع من الأسر مطلقًا، وانما جاءت في الحث على القتال، وأنه ما كان ينبغي ان يكون للمسلمين أسرى قبل الاثخان في الأرض في صف الكفار (20) .
ثانيًا: من السنة:
وردت الروايات المتعددة في ثبوت الأسر كأسلوب ردع للمشركين في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقد أُسر مجموعة من المشركين في غزوة بدر وتم فداؤهم بأربعين أوقية إلا العباس حيث كان فداؤه مائة أوقية والأوقية أربعون درهمًا من الفضة (21) .
وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بإجلاء بني قريظة الذين غدروا بالمسلمين وحكّم فيهم سعد بن معاذ فأسر الرجال وقتلهم (22) .
المبحث الثالث: التعامل مع الأسير
بعدان تضع الحرب أوزارها غالبًا ما يكون هناك أسرى بين فريقي القتال، وبلا شك ان الإسلام يوصي خيرًا في معاملة الأسرى ويعتبر الإسلام الأسير من الشرائح الضعيفة التي لها حق الرعاية والشفقة لذلك يقول الله تعالى {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا} (23) .
ثم يأمر الله تعالى النبي عليه الصلاة والسلام بمخاطبة الأسرى بما يلين قلوبهم ويستميلهم للدين فيقول الله تعالى {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الأَسْرَى إِن يَعْلَمِ اللّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (24) .
في حين كانت الأمم الأخرى تتفنن في تعذيب الأسرى وتقديمهم كقرابين للآلهة وهي أمورٌ معهودةٌ عند العرب في الجاهلية والفرس وغيرهم.
ثم من تمام رعاية الإسلام للأسير فانه يكسوه إذا كان بحاجة إلى الملابس، فقد ورد أنه في معركة بدر أُتي بأسرى وأتي بالعباس ولم يكن عليه ثوب فنظر النبي (ص) له قميصًا فوجد قميص (عبد الله بن أُبي) يقدر عليه فكساه النبي (ص) إياه (25) .
وروي ان ابنة حاتم الطائي وقعت في أيدي المسلمين وأنزلت بمكان يمر به النبي (ص) فتعرضت له وقالت: هلك الوالد وغاب الرافد"تعني أخاها عديًا"فأمنن علي منَّ الله عليك .. !
فقال (ص) : قد فعلت فلا تعجلي بخروجٍ حتى تجدي من قومك من يكون لك ثقة حتى يبلغك إلى بلادك وأقامت حتى قدوم رهط من قومها فكساها رسول الله (ص) وحملها وأعطاها نفقة فخرجت معه (26) .
أما ما ورد في قوله تعالى"فشدوا الوثاق"وما ورد من السنة النبوية الشريفة من آثار تدل على تقييد الأسير فهي أمور ليس المراد منها مجرد التقييد والشد